السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٨١للعاملين - ممَّا يعدُّ من معسول القول - دون التحرُّك للإعانة في تحمُّل المسؤولية ولو بأداء الاشتراك في جريدة، يتحمَّل المصلح أعباءها المادية والمعنوية. يقول الكاتب "إنِّي سمعتُ بعض الناس يجهرون بأصواتهم، ويحمدون الله على تأدية واجبهم نحو جريدتنا: فسألتُ أحداً عن ذلك، فقال ألم أقل لكم في كلِّ مناسبة (أحسنتم) وهنا بقيت حائرًا، وقلت لعلَّ هذه الكلمة تُصرف بمقدار عند أحد التجار الكبار أو البنوك، وهنا ذهبت إلى (البانكة) ودفعت ورقة في (القيشي) مكتوبًا عليها (أحسنتم) فغضب (الكيسي) غضبًا شديدًا، فدهشتُ قائلاً: أعوذ بالله من الأزمة، حتى صارت كلمة (أحسنتم) تُصرف عندهم بثمن الاشتراك، والأمر لله"(1).
التعريض يبدو في هذا الاستفهام، الذي كان باعثه الاندهاش والتعجُّب من هذا التصرف (ألم أقل لكم … ) وفي التبالُه والتجاهُل (لعلَّ هذه الكلمة … ) وفي الحديث النفسي، الذي دار داخل نفس الكاتب، وفي هذا الأسف الذي يكشف عن قمَّة الحسرة والأسى اللذين ملآ قلب الكاتب (أعوذ بالله من الأزمة … والأمر لله)، ثمَّ في اللجوء إلى استعمال كلمات غير عربية (البانكة BANQUE: المصرف، القيشي GUICHET: كوَّة أو نافذة التذاكر، الكيسي CAISSIER: أمين الصندوق) وهو خروج عن مألوف الكاتب، بل عن المألوف بعامة وذلك للتَّعبير والإفصاح عن الحالة النفسية غير الطبيعية التي كان عليها الكاتب.
يعرِّض الكاتب نفسه - متحسِّرًا متألِّما - بالظلمة والمستبدِّين، الذين أذلُّوا الشعب الجزائري وقهروه. فيقترح على الجمعية السياحية الأوروبية، التي طلبت من بلدية الجزائر أن تهيِّئَ لأعضائها حوضًا من الماء الحلو بعد خروجهم من البحر؛ لينزعوا من جلودهم ملوحة البحر، حتى لا تحترق بأشعَّة الشمس التي لا يطيقونها. يقدِّم للجمعية اقتراحه بعد أن رفضت البلدية طلبها: "ونحن نقول لهم الأمر بسيط جدًّا، لا يكلِّفهم أدنى تعب، نحن الذين فاضت عيوننا دمًا من شدَّة الظلم والاستبداد … لنا حمير -كما لهم- ذوات رجلين، إن شاؤوا استبدلناهم بجلودنا
(1) "أحسنتم"، (د. إ)، جريدة البستان، ع:1 (27/ 04/1933م). النص لأبي اليقظان.