السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٨٢

الغليظة، التي لا يؤثِّر فيها ماء البحر المالح، ولا شمس الجوِّ الحارَّة … فبهذا يرتفع النزاع بين الحكومة والجمعية بسلام، ونراها أنجع وسيلة لفضِّ هذه المشكلة المعقَّدة"(1).

الحسرة بادية في هذا النصِّ؛ فالكاتب يعرِّض - متألِّما - بهذه الأفكار السخيفة التي تفكِّر في الكماليَّات وفي وسائل الترف، في حين يرزح كثير من الناس تحت نير الظلم والقهر، ولا يجدون أدنى شروط العيش، وأبسط وسائل الحياة. كما يكون التعريض في هذه الصورة الحزينة التي قدَّمها عن الاستعباد وكثرة الاعتداءات، وفظاعة التعذيب والتنكيل والاحتقار، المتمثِّلة في صورة الحمير البشرية، التي تمتلك بفضل الممارسات التعسُّفية والاعتداءات الجسدية المتكرِّرة ضدَّهم، تملك جلوداً غليظة لا تؤثِّر فيها الشمس الحارَّة، ولا ماء البحر المالح. مصداقًا لقول المتنبِّي "ما لجرح بميِّت إيلام" إذ كان بإمكان أعضاء الجمعية السياحية الأوروبية أن يفضُّوا مشكلتهم المعقَّدة، ويزيلوا الخلاف بينهم والبلدية بحلٍّ بسيط جداًّ، لو استعاروا جلودنا ليقوا أنفسهم شرَّ العواقب. هذا هو التعريض عينُه.

ويكون العبث بأمور الدين مجالاً خصبًا للتَّعريض، خاصة حين يوجد من يسير في ركاب المستعمر، وينفِّذ خططه في ضرب الإسلام. أوحين يوجد من يسيِّر ويدير شؤون الدين حسب هواه ومصالحه. لقد كان العبث بهلالي رمضان والعيد كبيرًا جداًّ، إذْ كانت الحكومة الفرنسية تتصرَّف فيهما كما تشاء، وذلك بإصدار أوامرها إلى رجال الدين الرسميِّين، ليعلنوا عنهما حسبما تقتضيه مصلحتها. وقد ندَّد المصلحون والكتَّاب بذلك كثيراً.

فهذا الأمين العمودي يعرِّض برئيس جمعية علماء السنة (السينية) -كما كان يسمِّيهم المصلحون - الذي غاب عن ضيف قدم إلى زاويته، ويقول: "الذي منعه من حضور هذا المحفل استعداده لوضع هلال رمضان في مكان يليق به"(2).

(1) "فلاح البستان"، جريدة البستان، ع:10 (11/ 07/1933م). المقال لأبي اليقظان. ارتكب الكاتب خطأ لغويًّا، إذ المفروض أن يقول: استبدلنا بهم جلودنا.

(2) سمهري، جريدة المرصاد، ع:36 (09/ 12/1932م).

٢٨٢ / ٤٩٤