السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٨٤

لواءها الثورة الفرنسية التي تبنت شعار (الحرية الأخوَّة المساواة) وعهد الشيوعية التي لا تؤمن بالطبقية والاسترقاق … غير أنَّ الشعارات كلَّها تبقى دعاوي وتصريحات لا سبيل لها إلى التطبيق، وليس لها من صفة الالتزام إلاَّ حين تكون المصلحة، وحين تستجيب لهوى أصحابها، وتخضع لإرادتهم. من هنا كان تعريض الكاتب بهؤلاء الأقوياء، الذين يزنون العرب واليهود بميزانهم الخاص.

بالطريقة نفسها، وبالروح ذاتها، يعرِّض الكاتب عينُه بسياسة فرنسا التي كانت تتعامل مع مسألة "فصل الدين عن الحكومة" بما يمليه عليها هواها. يقدِّم عنها - هذه المرَّة - أوصافًا في غاية التهكم والسخرية؛ معرَّضًا بسياستها المبنية على الغشِّ والخداع والمكر والمراوغة.

رأى الكاتب أنَّ نقل مسألة الفصل من فرنسا إلى الجزائر لم يتعدَّ نقلها من ميدان إلى ميدان، ومن يد إلى يد، ومن برلمان إلى برلمان، لماذا هذا التصرُّف؟ يعلّل الكاتب ذلك تعليلاً ذكيًّا معرِّضًا، يكشف من خلاله عن حسرته وأساه: "ليدفع (أي الدستور الجزائري) الغضاضة عن فرنسا (اللاَّئكية) ويلصقها بفرنسا (المسلمة) التي تتمسَّك من الإسلام بمعابده ورجاله، وتعرف كيف تسيِّره، وتسيِّرهم، فكأنَّه يقول لحكومة الجزائر لِنتِ فاشتدِّي، ورضيت قليلاً فاحتدِّي، وتركت لك ما إن عملت به لم تضلِّي من بعدي، ولم أضع لك قانونًا، بل شبكة كلها خروق، فاخرجي من أيِّها شئت … "(1).

يظهر التعريض في هذه الصفات التي ألصقها الكاتب بالحكومة الفرنسية المتقلِّبة بين اللاَّئكية حين تكون في فرنسا وتشرِّع للفرنسيِّين، وبين الإسلام حين تكون في الجزائر وتشرِّع للجزائريِّين، وتتصرَّف مع الدين فيها. كما يبدو في هذا التضمين الذكيِّ للحديث النبويِّ الشريف الذي يبيِّن للمسلمين طريق الرشاد والاستقامة والهداية، وهو العمل بهديه. الأمر نفسه يجب أن تسلكه الحكومة، وهو السير على

(1) عيون البصائر، ص: 92. المقال بعنوان " فصل الدين عن الحكومة "، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 88 (25/ 07/1949م).

٢٨٤ / ٤٩٤