السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٨٥هدي الدستور الجزائري، الذي يبيِّن لها ما إن اتَّبعته لن تضلَّ بعده أبداً، وهو الزيادة في الشدَّة والتضييق والتنكيل. وسبيل ذلك شبكة من قوانين، كلها خروق تعين على التصرف، وبكلِّ حرية في كلّ موقف؛ لأنَّه لا حرج عليها في التأويل. وهو ما يتيح لها إيجاد أيِّ مخرج أو حجَّة للَّعب بمصائر المسلمين والتسلُّط عليهم وقهرهم.
إلى جانب هذا التعريض الذي يكون ممزوجًا بالحسرة والأسى، نلتقي مع نموذج من التعريض الملفوف بلفافة الاستهزاء وتحقير الذين يمارسون سلوكاً يتنافى مع الفطرة البشرية ومع أدنى مبادئ العقل. فأبو اليقظان يستنطق عصفوراً، ويحاول أن ينتزع منه إجابة مقنعة، وتقييمًا لتصرُّفات بعض الناس المنافية للطَّبيعة البشرية. سأل الكاتب عصفوره: "لماذا تكره النَّياشين إذا رأيتها معلَّقة على صدر ذوي اللِّحاء والبرانيس بأنواعها … ؟
- عصفوري: نعم أكره هذا أكثر من رؤيتي الصيَّاد على كتفه بندقية يقتنصني.
- لماذا؟
- عصفوري: لأنَّ هذه النَّياشين الحمر تذكِّرني بلونها الأحمر بجريان الدم في رقاب وحواصل أخواتي العصافير المذبوحة بيد الصيَّاد، ولهذا أتشاءم منها كلَّما رأيتها أو سمعت منها (كذا). فقلت صدقت والله أيُّها العصفور الحرُّ. فلتعش حراًّ طليقاً رغماً عن الإنسانية المعذَّبة"(1).
التعريض الهازئ يبدو في النقط الآتية:
1) احتقار الإنسان الذي لا يمكِّنه عقله من إدراك أبسط الحقائق، بينما يدركها الحيوان فاقد العقل والإدراك. جاءت هذه الإشارة على لسان حيوان ضعيف، وهو العصفور.
2) التعريض بالذين يقبلون هدايا وأوسمة تقدير من الأعداء، الذين يكيدون
(1) "فلاَّح البستان"، جريدة البستان، ع:8 (20/ 06/1933م) النص لأبي اليقظان.