السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٨٧

المعقول والمنقول، الضاربون كذلك في فنِّ التنجيم بسهمٍ وافر، فنالوا الألقاب العريضة والرتب المتنوِّعة والشارات البرَّاقة، وقيل لهم قولوا في الهلال وغيره من مسائل الدين ما شئتم، فكلمتكم هي العليا، فأنتم العلماء، بكم يعلو نجم الدين، ويقوى وازعه في النفوس، وبكم تُقام الفرائض والسنن، ويرفع للمسجد صوت … "(1).

التعريض في النص يبرز في هذا المسِّ الرقيق، وهذا اللمز الخفيِّ، اللذين أبداهما الكاتب، بواسطة ألفاظ موحية معبِّرة على الاستهزاء بأولئك الأوصياء على الدين، والماسكين لشؤون المسلمين دون كفاية، بل العاملين على العبث به وبهم (ولا أريد أصلاً أن أمسَّ مُنجِّمهم بسوء، الضاربون في فنِّ التنجيم بسهم وافر). فإذا كانت شؤون الدين تخضع للتنجيم، فماذا يبقى للإسلام من حرمة في هذه الأرض!.

تكرير الكاتب للفظة "تنجيم" في نصِّه ساعد على إعطاء التعريض قوَّة الاستهزاء أو شدَّته بأولئك المنحرفين عن سواء السبيل. من هذا المسِّ الرقيق المعرِّض قوله: "ما كفانا مؤونة النَّظر فيه أولئك الفقهاء المتضلّعون في علم المعقول والمنقول".وهذه الأوصاف التي خلعها الكاتب على هؤلاء المنجِّمين، مع الإشارة إليهم بإشارة البعيد (أولئك)، كلُّ ذلك أبرز هذا التعريض الساخر المستهزئ من أولئك.

بفضل هذا التفوُّق الذي سجّله الكاتب لأولئك الصنف من العلماء المنجِّمين نالوا الرتب المتنوِّعة والألقاب العريضة، وبفضل تلك الشارات البرَّاقة استحقُّوا - بجدارة - أن يكونوا رهن إشارة أسيادهم، الذين يحتقرون الدين الإسلامي؛ فيسيرون على هديهم في تسيير شؤون الدين، الذين قالوا لهم: اعلموا أنَّ كلمتكم هي العليا، وكلمةَ غيركم هي السفلى. مثلما كانت كلمة الذين كفروا هي السفلى، وكلمة الله هي العليا(2).

وفي استعارة الكاتب لهذه الصورة القرآنية – أيضًا - يكمن التعريض المستهزئ المحتقر لهؤلاء، وبكم يتمُّ كلُّ شئ، وبكم يوطِّد الدينُ أركانَه، ويرسخ في

(1) باعزيز بن عمر." لا بمنجِّم "، البصائر الثانية ع: 86 (11/ 07/1949م).

(2) قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ سورة التوبة، الآية:40.

٢٨٧ / ٤٩٤