السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٨٨النفوس … لأنَّكم الأعلون والعلماء الحقيقيُّون. هكذا تَمَكَّنَ الكاتب من خلال هذه اللغة الموحية أن يقدِّم لنا لوحة ساخرة، قوامها التعريض والاستهزاء والتحقير.
قد لا يكون للتَّعريض هدف سوى التنفيس عن النفس، ويكون ذلك حين يضجر الإنسان ويتأذَّى كثيراً من ألوان الظلم المسلطة عليه، ومن كثرة المفارقات التي يلحظها في حياته، دون أن يبصر أمامه بريق أمل للخروج من هذا الضيق والعسر والقلق، أو يرى أنَّ أجل ذلك بعيد. كلُّ ذلك يسبِّب له آلامًا نفسية مبرِّحة، لا يجد سبيلاً للتَّنفيس عنها سوى التعريض. فمحمود بوزوزو يُبدي قلقه وضجره من تصرُّفات الفرنسييِّن المتباينة مع أقوالهم وتصريحاتهم. فهم يعلنون أنَّ فرنسا (وطن حقوق الإنسان)، وتصرِّح الدولة للرأي العام، إنَّ حقوق الإنسان مُحترمة في الجزائر، بينما الواقع يخالف ذلك.
عبَّر الكاتب عن هذه المفارقات بشيء من التهكُّم المعرِّض، الذي عمد فيه إلى سرد حركات الفرنسييِّن لتجسيد هذه النظرة، وهذا الشعار في الواقع المعيش، مستعملاً جملاً وتراكيب، وصفت هذه الجدِّية والسرعة في تطبيق هذا الشعار في الواقع، وإقامة الدليل على صحّته، وضّح ذلك بطريقة معرِّضة.
قال بعد أن خطب رئيس الجمهورية الفرنسية معلِنًا أنَّ فرنسا وطن حقوق الإنسان "إذا بنا نرى الشرطة الفرنسية في الجزائر تحرص بنشاط متزايد على إقامة الدليل على صدق الخطيب، وتبيِّن للعالم بالمحسوس الملموس أنَّ حقوق الإنسان في أمنٍ وسلام، تحت حماية السلطة الفرنسية، وأنَّ الإنسان يمرح في نعيم مقيم في ظلِّ الاستعمار الفرنسي، فالجهاز الشرطي الفرنسي في الجزائر لا يألو جهدًا في هذا السبيل. فهو في حركة مستمرَّة، ساهرٌ على حفظ هذه الحقوق سهرَ الأمِّ الحنون على ولدها العزيز. ومن أجل ذلك يقوم بعمليَّات واسعة النطاق في القطر الجزائري لقمع الشعب الذي بلغ تعلُّقه بحقوق الإنسان درجة خطيرة جدًّا على هذه الحقوق"(1).
(1) محمود بوزوزو،" قمع فظيع وغضبة مقدَّسة "، جريدة المنار، ع:11 (14/ 11/1952م).