السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠والتعريض والنَّيل من الخصم، بطريقة ذكية وغير مباشرة، بما يتيح لها فرصة التأثير والتبكيت. وهذه أحد مكامن فنية السخرية. وهو ما عبَّر عنه التعريف الثاني بالتهكم المرير، الذي يحاول النَّيل – بقوّة - من الخصم، الذي تسبَّب في هذه المرارة. وبهذا قد تكون السخرية - في بعض الأحيان - سمة دالّة على قمَّة اليأس(1).
وإذا كان التعريف الأوّل قد ربط السخرية بالفكاهة، فإن التعريف الثاني قد ربطها بالهجاء والتندُّر والتهكم، مما يؤكِّد -كما أشرنا سابقا - التداخل أو الاشتراك المعنوي والدلالي بين هذه الألفاظ، ومن ثمَّ الاشتراك في الاستعمال والتوظيف. وهو ما يصعِّب من إيجاد فروق دقيقة بينها.
وإذا بحثنا في المعجم العربي عن تعريف السخرية فلا نجده خارجا عمَّا ذكرناه عن الأوربيين. فعبد الحميد جيدة يذهب إلى أنَّ "السخرية تعبير حيٌّ عن المرارة والإحساس بالقهر أو بالظلم، أو بأية عاطفة، لا تجعل الإنسان راضيًّا سعيدا"(2).
فالمرارة عادة ما تطبع السخرية، التي تأتي لتنقد أوضاعا لا تتماشى مع نفسية الفنَّان، ومع نظرته إلى الحياة. فباعتباره إنسانا مُرهفَ الحسِّ، دقيق الملاحظة، فأنَّه يتأثَّر كثيرا بما يدورحوله ويشعر بالانقباض، حين يحسُّ بفقد الانسجام بين مواقف الناس وما تتطلَّبه الحياة، حسب نظره. كلُّ ذلك يسبَّب له مرارة وحسرة، يعبِّر عنهما بأسلوب السخرية أحيانا. ولهذا قال حامد عبده الهوَّال: "إنَّ الساخر بأسلوبه الخفيف بما فيه من فكاهة أو من مرارة يستطيع أن ينفذ إلى النفوس في يُسر … "(3) كما عُرِّفت السخرية كما يأتي: "فالسخرية والتهكم هي طريقة في الكلام، يعبِّر بها الكاتب عن عكس ما يقصده بالفعل"(4).
(1) السخرية في الأدب العربي، ص:14.
(2) شعر التهكم والسخرية عند حافظ وطوقان، ص: 13. نقلا عن عبد الحميد محمد جيدة، فنُّ الهجاء عند ابن الرومي، منشورات المكتب العالمي بيروت، (د. ت)، ص: 326.
(3) السخرية في أدب المازني، ص:، ينظر أيضا، ص: 51، 52.
(4) المعجم الأدبي، ص: 138.