السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٠كان يمكن أن يعيب الطبيعة"(1). وتشوُّهات الطبيعة هي مادة التصوير الكاريكاتوري، إلى جانب الشذوذ، الذي يبدو في الهيئة أو الحركة، كالتصلُّب والآلية اللذين هما خصيما الحياة والطبيعة.
والساخر بما له من ذكاء وفطنة وخيال، وحسٍّ مُرهَف، واستعداد للتعبير الطريف … يتفطَّن إلى هذا الشذوذ، ويُدرك الحركات غير العادية، التي يعجز غيرها عن إدراكها، فيضخِّمها، ويهيِّئُها ليراها الناس مشوَّهة؛ حسبما يهدف أو يرمي إليه، مع تركيزه على النقط المثيرة فيها. والمصوِّر الكاريكاتوري كما يقول عبد العزيز البشري "يعمد إلى الموضع الناتِىءِ في خلال المرء فيزيد في وصفه، ويبالغ في تصويره بما يتهيَّأ من فنون النكات"(2) وبذلك فأنَّه قادر على أن "يصوِّر كلَّ ما يحيط بالحياة من ألوان الفكاهة والسخرية"(3).
إذن إنَّ التصوير الكاريكاتوري هو المبالغة الباعثة على الضحك الساخر، الهادفة إلى غاية ما، قد تكون نبيلة ترمي إلى الإصلاح والتقويم والبناء، وولوج دخائل النفوس البشرية وتقريبها من المتلقِّي بالكشف عنها؛ لأنَّ كثيراً من الشخصيات تختفي وراء أشكال معيَّنة، ولا تبدو على حقيقتها، فيأتي الكاريكاتيري ليبين عنها. وقد تكون المبالغة مغرضة تسعى إلى التحقير والاستنقاص من المسخور منه. وقد تكون لمجرَّد الإضحاك والتندُّر. إلاَّ أنَّ هذه المبالغة - مهما يكن هدفها - ليست غاية، إنَّما هي وسيلة لإبراز الشذوذ والتصلُّب والانحراف، كما نصَّ على ذلك الدارسون(4).
نحاول فيما يأتي تقديم نماذج، نكشف من خلالها أسلوب التصوير الكاريكاتوري في الأدب الجزائري الحديث وطبيعته، والأهداف التي يرمي إليها.
(1) مجلة المورد مج4، ع: 2، ص: 48.
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 292.
(3) شعر السخرية في العصر العباسي، ص: 207.
(4) ينظر الفكاهة في الأدب … ص: 203. ومجلة المورد مج4،ع:2.