السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩١حزَّ في نفوس الأدباء أن يبقى بعض الناس في دائرة التخلُّف، تفتك بهم سذاجتهم التي طبعت حياتهم العامة في كلِّ جوانبها ومراحلها، وقد استغلَّها بعض المحتالين، فغرُّوا بهم؛ بما لقَّنوهم من أفكار، ورسَّخوا فيهم من معتقدات، هي بعيدة عن الدين، نشؤوا عليها، فلم يكن في وسع المصلحين نزعها من قلوبهم وعقولهم، رغم المحاولات الكثيرة، أو على الأقلِّ كان نجاحهم في ذلك ضئيلاً.
لهذا لجأ الأدباء إلى السخرية والتصوير الهزلي (الكاريكاتوري) يجسِّدون من خلاله هذه التصرُّفات، وهذا السلوك بشيء من التضخيم والدقة الهازئة الهازلة المضحكة في رسم الحركات، عساهم يفلحون في تنبيه أولئك المحتالين إلى سوء ما يقومون به نحو الدين. وينجحون في إيقاف المغرَّر بهم على حقيقة ما يراد بهم، وإقناعهم بضرورة الإفاقة من هذه الغفلة وتغيير سلوكهم.
فمحمد السعيد الزاهري يسخر من الطرقيِّين ومن أتباع الحملاوي، الذين بلغت بهم السذاجة والضلال - في آن واحد - إلى أن يعتقدوا البركة والقدوة في (كلبين شيخين)، قاما بزيارات لبعض القرى والمدن لجمع التبرعات والصدقات. يصوِّر الكاتب تصرُّفات هؤلاء الطرقيِّين تصويراً هزليًّا كاريكاتوريًّا(1).
ظلَّت الطرقية قذى في عيون الأدباء ذوي الاتّجاه الإصلاحي، أرَّقهم ونكَّد عليهم حياتَهم. وقد تصدَّوا لها، وحاربوها بكلِّ الوسائل والأساليب الممكنة. فهذا محمد البشير الإبراهيمي يقدِّم تصويراً هزليًّا (كاريكاتوريًّا) عن أتباع جمعية السنة التي تأسَّست لتناوئ جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين والمصلحين.
صوَّر الكاتب أحد اجتماعات الجمعية، وما دار فيه من حركات، وما أفرزه من تصرُّفات، كشفت عن أشياء، أراد الكاتب إيصالها إلى المتلقِّي؛ نكاية بالخصوم، وسخرية بهم وبأعمالهم: "دخل الجميع - لأوَّل مرَّة في تاريخ حياتهم- جمعية، لا يدرون بمن تدار ولا كيف تدار، وسمعوا لأوَّل مرَّة كلمات: النظام والاشتراك
(1) ينظر "الشيوخ الكلاب" (د. إ)، جريدة البرق، ع: 22 (08/ 08/1927م). المقال لمحمد السعيد الزاهري.