السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٢والمواد واللجان، وسمعوا خُطباً مأجورة، لا فرق عندهم بينها وبين عزائم الجان، ثم تقاضتهم الجمعية مالا عهد لهم به، ولا ألفته نفوسهم وهو المال. الاشتراك، التبرُّع، الإعانة، فقالوا في أنفسهم إنَّ هذا لشيء لم نخلق له إنَّ هذا لشيء يراد … "(1).
يبدأ التصوير بهذه المبالغة الساخرة بهؤلاء الأتباع، الذين يحضرون اجتماعًا لأوَّل مرَّة في حياتهم. فرغم انتمائهم لجمعية لها رئيسها وبرنامجها وأهدافها، فإنَّهم لا يعرفون عن ذلك شيئًا. فهذا عيب أراد الكاتب إثارته، للنَّيل من هؤلاء المناوئين للإصلاح. ثمَّ يأتي التدرُّج في وصفٍ مركَّز للحركات والإشارات الظاهرة والباطنة، التي كشف عنها سلوك خاصٌّ، حرص الكاتب على إبرازه عن طريق المبالغة. هذا السلوك هو إظهار علامات الاستغراب والاندهاش لما يسمعون أمامهم من كلمات هي مصطلحات وألغاز لأنَّهم لم يألفوا سماعها من قبل، هي غير موجودة في قاموس حياتهم (النظام، الاشتراك، المواد، اللجان … ).
أتصوَّر هؤلاء -حسب وصف الكاتب لهم- أتصوَّر شفاههم ممتدَّة، جباههم مقطَّبة، وجوههم مصفرَّة، عيونهم غائرة، الدم متوقِّفٌ في عروقهم … هذا ما يُفرزه الاندهاش والاستغراب والحيرة.
تشتدُّ حالتهم، وتنقبض نفوسهم، حين يتحوَّل الأمر من القول إلى التطبيق، ويطلب منهم مالا علم لهم به، ولا خطر لهم على بال، يوم قبلوا الانضمام إلى جمعية علماء السنة: (المال، الاشتراك، التبرُّع، الإعانة … ) فلا يملك هؤلاء من حيلة، ولا يتوفَّر لهم من وسيلة للتَّعبير عن عدم تصديقهم لما يسمعون وما يشاهدون، سوى استعارة جواب الكفَّار الذين لم يصدِّقوا أن ليس هناك آلهة، إنَّما هو إله واحد، إنَّ هذا لشيءٌ يُراد(2).
(1) سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، ص: 60.
(2) قال تعالى: ﴿اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمُو أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُمُو إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ سورة ص، الآيتان: 5، 6.