السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣هكذا يعين الكاريكاتور والمبالغة في التصوير على إضاءة جوانب من نفس الكاتب، وما تعجُّ فيها من مشاعر، وما يسود المجتمع من أفكار وآراء ومواقف وتصرُّفات، تكون سببًا في الشعور بالضيق والقلق.
"الحفناوي هالي" مثلا يصوِّر لنا عيبا من العيوب الاجتماعية، التي تسيء إلى سمعتنا. هذا العيب يتمثَّل في سوء الأخلاق، وعدم التحلِّي بحسن العشرة، وحسن التعامل مع ما يوجد في البيت من أفراد وأدوات. وهو ما يصمنا بأنَّنا بعيدون عن الاستفادة من المدنية والحضارة. قدَّم الكاتب هذه الحقيقة في قالب ساخر، قوامه وصف حركات وإشارات، بطريقة مركَّزة ومثيرة للانتباه، مما أضفى عليها صفة التصوير الكاريكاتوري: "وإذا استضافك صديق وجئت لتدخل بيته، وجب عليك أن تسير وراءه كالسجين، خافض الرأس، غاضَّ الطرف، لا تلتفت يمنه ولا يسرة. وإنَّك لترى وجهه يتلوَّن خجلاً إذا رفعت امرأة صوتها، بحيث يسمعها الضيوف. وإنِّي لا أحدِّثكم بما سمعت، ولكن بالذي ألقى فإنِّي ابتليت بمخلوقة، لا تعرف السكوت، وبغيرة أشدُّ حساسية من الردار، فإذا دخل الضيوف، بدأت المعركة والصياح مع الأبناء، ومع القطط، ومع القدر إذا احترقت، ومع المدخنة التي تردُّ عليها الدخان، ومع الشمس التي بعثها الله محرقة في هذا اليوم التعس. وهنا اضطرُّ إلى التضاحك بقوَّة، وإلى رفع صوتي بحديثي مع الضيوف؛ لأمنعهم من سماع صوتها. وإنِّي لأعاني من ذلك عناءً كبيراً، وقد فتح الله عليَّ بحيلة، أراحتني من هذا العناء كلِّه، فقد غدوت كلَّما دخل الضيوف أفتح الإذاعة لتقوم مقامي وتمثِّل دوري"(1).
الصورة التي قدَّمها الكاتب تشير إلى حالة غير طبيعية، شاذَّة عن المألوف، والحلول التي تبنَّاها للتغلُّب على هذه الحالة هي غير طبيعية، والوصف الذي اختاره للحركات وتناميها غير عاد، فيه المبالغة والتضخيم. هذه الملاحظات وهذه الإشارات غير العادية، هي التي وسمت نصَّه بالكاريكاتورية وبالوصف الهزلي الطريف.
(1) الحفناوي هالي، "ساعة أخرى مع الأديب الكبير"، جريدة البصائر الثانية، ع: 74 (04/ 04/1949م).