السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٤نبقى مع المواقف، فنقدِّم نموذجًا عن تصوير موقف الحكومة الفرنسية من القضايا الوطنية والدينية، ومن مطالب الشعب. كتب محمد البشير الإبراهيمي في هذا الموضوع يبرز هذا الموقف، بواسطة رسم حركات الحكومة، وهي تقوم بفحص ما ينطق به الوطنيُّون من كلام، تحرص الحكومة على تحليله كلمة كلمة، وجملة جملة؛ لتقارن بين أجزاء الكلام، وتربط السابق باللاَّحق، وتفرز بين التصريح والتلميح، وبين الدلالات المختلفة، تتدرَّج في ذلك من البسيط إلى المركَّب، وتتابع تنقُّل الحروف من الكلمة إلى الجملة إلى الموضوع؛ حتى تستقرَّ في قاموس يوضع في ملف، تحاسب به هؤلاء الناطقين بذلك الكلام.
هذا التفصيل في القول، وهذه المبالغة في التصوير، والإطالة فيه - طول مدَّة بحث موضوع فصل الحكومة عن الدين- والتركيز على نقط معيَّنة مثيرة حسَّاسة حساسية الموضوع، وهذا التأنِّي في رصد حركات الحكومة في قراءة ما يكتبه الوطنيُّون، هو الذي صبغ النص بصبغة الكاريكاتورية: " … نحن نعلم أنَّ الحكومة تترجم كلَّ ما يُكتب وتقرؤه، فتفلي الحروف، وتحدِّد مواقعها من الكلمات، ومواقع الكلمات من الجمل، ومقام الجمل من المواضيع، وتفسِّر وتحلِّل على قدر ملكتها في العربية، وحظِّها من بيانها، وتستعرض الاحتمالات القريبة والبعيدة في المعاني وتحمل الكلام من المقاصد، وحظُّها ما يطيق وما لا يطيق، وتجاوز أنواع الدلالات المعروفة من مطابقة وتضمُّن والتزام، إلى الإشارة والإيماء والاقتضاء، تفعل كلَّ ذلك لا لتمحِّص الحقَّ ثم تفئ إليه عند ظهوره، بل لتؤلِّف قاموسا من الجمل، التي هي لباب الحقِّ، فتنسِّقها في ملفَّات، فتحاسبنا عليها، متى عرضت دورة فوق العادة، أو فوق القانون"(1).
كما عبَّر الأدباء بالتصوير الكاريكاتوري عن استيائهم من بعض التصرُّفات المنافية للعقل، المتمثِّلة في مظاهر الإسراف والتبذير، تفاخرًا ومباهاة. يصف كاتب
(1) عيون البصائر، ص: 136. نشر المقال تحت عنوان "فصل الحكومة عن الدين" في جريدة البصائر الثانية، ع:137 (15/ 01/1951م).