السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٥حاله مع مائدة الطعام وأنواع الحلويَّات التي قدِّمت له بمناسبة عرس أسرة عريقة في المال والحسب. ومن عادة هذه الأُسَر أن تغتنم أمثال هذه المناسبات لتتفنِّن في إقامة الولائم والأفراح التي من شأنها أن تعود عليها بالثناء الطيِّب والذكر الجميل، وتضمن لنفسها الولاء والاحترام.
يبدو على وجه صاحبنا التهلُّل وعلامات الفرح والسرور، وعلامات التمتُّع بأمسية هنيئة مريئة. هكذا يلحظ عليه زميل له. فيجيبه حقًّا قضيت أمسية ممتعة، لكنَّها مُتعبة، فيسأله صاحبه هل أتعبتك الأجواق أم التخمة؟ فيجيبه: "لا والله أكلت أكلا بسيطاً، إلاَّ أنَّني شمَّرت عن ساق الجدِّ، حين أتى دور الحلويَّات، وأنت تعلم أنَّ لي في هذا الميدان شهرة لا أرى لأحد حقَّ الحرص عليها سواي، لو كنت ممَّن يقرأ في أسارير الوجه لكشف لك اضطرابها عندي عن المعركة الهوجاء، التي لا زال يخوض غمارها في أمعائي كلٌّ من "القطائف" و "المقروط" و"قلب اللوز" و "بقلاوة"(1)، وقد أردفتها بكمية لا بأس بها من "المحلبي"؛ ظناً منِّي أنَّ هذه المادة المائعة المسالمة ستقوم مقام الفيصل بين تلك العناصر المتنافرة، غير أنَّ هذه استصغرت شأن الحكم المزعوم وكادت أن تطرده من حيث أتى، لو لم أتدارك الموقف بعدَّة فناجين من القهوة الأجَّاجة السوداء، أحرقت الحلويَّات وما يحويها من الأمعاء، لما استطعت أن أقف اليوم على رجلي" يعلِّق صديقه على ذلك: "الحمد لله على خلاصك، لكن كيف قُدِّمت لكم كلُّ هذه الأصناف في وليمة واحدة؟ ظنِّي بلك استدعيت لعرس لا لمقصف"(2).
التصوير الكاريكاتوري يبدو في هذه السخرية المضحكة الهازئة من سلوك بعض الناس الموغل في التجاوزات. وقد اعتمد الكاتب في تصويره وتجسيده هذه الأخلاق المشينة (التفاخر والمباهاة والإسراف) على المبالغة والتضخيم؛ اللذين هما عماد التصوير الهزلي (الكاريكاتوري) إلاَّ أنَّ الكاتب انْطَلَقَ في هذا التصوير من
(1) أنواع من الحلويَّات معروفة في الجزائر.
(2) "الهاشمي التيجاني"، " من حياتنا الاجتماعية "، جريدة البصائر الثانية، ع: 98 (12/ 12/1949م).