السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦الواقع. فالحلويَّات تخوض معارك هوجاء حامية الوطيس في أمعائه، التي هي من الرقة ما لا يمكن لها أنْ تتحمَّل شدَّة المعارك وأهوالها ومخاطرها، حتى إنَّ السائل "المحلبي" لم يستطع أن يوقف هذه المعارك، فقد استصغرته هذه الحلويَّات …
هذا التصوير الكاريكاتوري أوجدته هذه اللغة البسيطة، وهذه الألفاظ الموحية والعبارات المعبِّرة (شمَّرت عن ساق الجدِّ، هذه المادة المسالمة، شأن الحكم المزعوم، استدعيت لعرس لا لِمِقْصَف … ). هذه التراكيب أحكم نسيجها هذا الوصف الطريف الحيِّ، غير الجامد، بل المتنامي والمتماسك في مادَّته اللغوية، وصوره المعبِّرة، المفصحة عن مشاعر الكاتب الهادفة إلى غاية واحدة، وهي محاربة هذه الأخلاق الاجتماعية الفاسدة: الإسراف والتبذير والمباهاة والتفاخر.
كما كان ضعف الثقافة المصحوب بسذاجة العقول فرصة للتهكم والتصوير الكاريكاتوري، وكان ما تفرزه هذه الحالة من أنواع السلوك مناسبة للتندُّر. من أمثلة ذلك ما حكاه كاتب عن إمام "جامع الصخرة" الكائن بقرية تقع في ضاحية مدينة "الغزوات"(1)، يملك من أسباب التخلُّف المعرفي ما أهَّلَه كي يعلِّم الناس، ويفسِّر القرآن بطريقة غريبة، لا يراعي فيها قواعد اللغة العربية، ولا أسباب النزول، ولا مدلول الآية الحقيقي، بل يكتفي في ذلك بالموافقة اللفظية، وبما يتناسب مع عقله الساذَج، وإذا وجد كلمة أو عبارة في آية ما توافق أخرى في العامية أو الفصحى بأيِّ وجه من الوجوه، فسَّر بها الآية: "ينظر هذا الإمام إلى قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَة﴾(2). فيجد كلمة القارعة توافق في الحروف كلمة (القرعة) التي هي اسم للنَّبات المعروف، فيحملها عليها، ويفسِّرها بها. وقد بلغنا من هذا المخلوق أنَّه فسَّر كلمة (فسوَّى) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾(3) بما هو متعارف عند العامة؛ لذلك أمر تلاميذه أن يغضُّوا أبصارهم حياء عند تلاوتها.