السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٩٧

وهكذا نراه يحمل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصخْرَ بِالْوَادِي﴾(1) على قريته: جامع الصخرة لتوافُقِ اللفظين، ويزيده إيمانا بهذا التفسير كلمة بالوادي؛ لأنَّ قريته واقعة على طرف الوادي"(2).

من خلال هذه الشذرات وغيرها حاول الكاتب تقديم صورة كاريكاتورية عن حقيقة هذا الإنسان الساذج في تفكيره، البسيط في ثقافته، الضعيف في مداركه؛ وذلك بالمبالغة في تجسيد هذا العيب، الذي يفزره هذا الوضع، وتضخيم ذلك؛ بما يجعل هذا الإنسان أفكوهة بين الناس، ومحطَّ سخرية الجميع واحتقارهم. هذه هي حقيقة التصوير الكاريكاتوري.

كما أنَّ الكاريكاتور الذي يعتمد على الألوان والخطوط والظلال والأضواء(3) استغلَّه الأدباء للتَّنفيس عن نفوسهم المكلومة، والترويح عن قلوبهم المعذَّبة؛ وذلك بالمبالغة في وصف بعض العيوب الجسدية، كما فعل "مفدي زكرياء" في وصف أحد حرَّاس السجن، الذي هو طالع نحس على المساجين، وكانوا يسمُّونه بالبومة للؤم نفسه، وعنجهيَّته وجفاف طبعه وغلظة معاملته.

قدَّم هذا الشخص "بأسلوب جاحظي النزعة، تتداخل فيه الفصحى والعامية إمعانًا في السخرية"(4) "وماذا عسى أن أصف لك: وجه منتفخ الأوداج، مطبق كخبزة السميد، عينان عطشاوان صفراوان، ترشحان رمصًا(5) كالدماميل، خدَّان أحمران مبلبلان كالرئة، أنف أخنس منتصب كشهادة الزور، مشفران غليظان يبرطمان كعجلة السيارة، طويلان يتهدلان كمشفري كافور الإخشيدي، فمٌ أبخر يتناثر منه اللعاب شظايا كفم الصل، يتقلَّب فيه لسان كالخروبة، يتدمدم بلغة

(1) سورة الغاشية، الآية: 9.

(2) إمام جامع الصخرة، (د. إ)، جريدة الشعلة، ع: 32 (03/ 08/1950م).

(3) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 36.

(4) مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة، ص: 67.

(5) الرمص: وسخ أبيض في مجرى الدمع من العينين.

٢٩٧ / ٤٩٤