السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١التعريف يركِّز على ظاهرة التظاهر بالجهل أثناء المناقشة، ويؤكِّد على صفة عدم المباشرة في الكشف عن الهدف من التعبير، بل يقرُّ التخفِّي والتستُّر والمواربة، كتقديم أسئلة مع التظاهر بالجهل وقول شيءٍ في معرض ذكر شيء آخر. في هذا المفهوم للسخرية نلتقي في البلاغة العربية والنقد العربي القديم مع تعبيرات وأساليب تتضمَّن التهكم كـ "تأكيد الذَّمِّ بما يشبه المدح، والتعريض، والهزل يراد به الجد، وتجاهل العارف … " فهي تتضمَّن صفة التظاهر بالجهل، وعدم المباشرة في التعبير، مع الاستهزاء والنقد …
أمَّا الدكتور محمد النويهي فيضيف عنصرًا آخر في تعريف السخرية الفنية: " … فالسخر هو الهدوء والعلوُّ التامُّ على مصائب الدنيا"(1). هذا العنصر يقدِّم تعريفا للسخرية يراعي الهدف الذي ترمي إليه، وهو الإصلاح والتقويم وبناء الشخصية. فحين يتوفَّر الهدوء، وعدم الاستسلام للمصائب، يتمكَّن الساخر من الابتعاد عن العاطفة الجامحة والانفعال الحادِّ، واليأس القاتل. وهو ما يمكِّنه من تأمُّل تناقضات المجتمع، ونقائص الناس، فيعالجها بهدوء ورزانة، ووعي. كما يُجنِّبه ذلك استعمال ألفاظ بذيئة ونابية، فلا يقع في فخِّ الهجاء والانتقام والثأر … بما يبعد كتابته عن السخرية.
أتى الدكتور محمد النويهي بهذا التعريف بعد أن تحدَّث عن طريقة ابن الرومي في السخرية من ظلم الدهر، وقسوة الطبيعة وعيوب المجتمع … الذي قال عنه إنَّه يسخر بتلك جميعا ولكنَّه «لا يسبُّها، ولا يحتدُّ عليها، ولا يثور بها، بل يتأمَّلها بهدوء، ويبصر سخافتها، ويبصر تناقضاتها، بل يبصر تفاهتها وصغرها، فيعلو عليها جميعا، ويتحدَّث عنها بابتسامة هادئة جليلة مستخفَّة هازئة»(2).
إذن من خلال ما عرضناه يمكن أن نقدِّم هذا التعريف التقريبي للسخرية لنتَّخذه قاعدة ننطلق منها في عرض النصوص الساخرة في الأدب الجزائري وتحليلها، ونعتمده مقياسا للكشف عن السخرية في تلك النصوص.