السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠٠

ولفت الأنظار إلى حقائق ذات أهمية. وهو ما لحظته، - بصفة خاصة- في مقالات "أحمد رضا حوحو" التي كان يكتبها وينشرها في ركن "في الميزان" في جريدة "البصائر" الثانية، وقد كان يقدِّم وصفًا دقيقًا مركَّزا عن بعض الشخصيات الأدبية والعلمية، بأسلوب كاريكاتوري مضحك ممتع؛ جانحًا فيه إلى المبالغة والتضخيم، هادفا إلى الإصلاح والتغيير والتوجيه(1).

نحاول فيما يأتي ضرب أمثلة مختلفة من هذه الكتابات.

كتب عن الشيخ "نعيم النعيمي"(2) مقدِّما صورة عن هذا الشيخ، الذي يمتاز بالفوضى في حياته العلمية والعامة، هذه الفوضى جعلت الفكر يتشوَّش ويتعب حين يحاول التعرُّف عليه؛ لأنَّ جوانب حياته المتعدِّدة "وضعت في لفٍّ ونشر مشوَّش، ذات اتِّجاهات متعاكسة، تتأرجح بين مدٍّ وجزرٍ فهو شابٌّ في هندام الشيوخ، عالم في عقل أديب، فقيه في خيال شاعر، قديم حديث ذو ذاكرة قوية، ولكنَّه فظيع النسيان، سريع الغضب، سريع الرضا"(3).

بعد هذا التقديم الطريف لشخصية الشيخ النعيمي، الذي عمل فكر الكاتب وخياله فيه بالمبالغة في تحديد ملامحها، يخلص إلى جانب من جوانبها، وهو الإفراط في النسيان، فيصف بعض مظاهر هذا النسيان، ويقدِّمه بطريقة كاريكاتورية فكاهية؛ لينبِّه القارئ، أو يوجِّهه إلى إدراك مغزى هذه الوصفة، أو هذا التصوير، وهو عدم الاعتناء بالمظاهر على حساب الجوهر، وأنَّ المجال الذي يحسب للمرء هو

(1) مما لحظته من خلال قراءتي لمقالات رضا حوحو في الموضوع أنّه كان يعمد ويهدف إلى محاربة التقليد الأعمى، ومقاومة التفكير المادي المحض. وانتقاد تداخل التخصُّصات، واشتغال المرء بما ليس ميسَّرًا له، وانتقاد منهجية بعض الناس في الحديث والكتابة والفوضى في الحياة بعامَّة. وكان يدعو إلى تمجيد الفكر الحرِّ الطليق، وإلى الاهتمام بالعلم والأدب، والعمل على تطويرهما …

(2) الشيخ نعيم النعيمي (1911 - 1973م) فقيه لغويٌّ أديب رجَّاز، أحد رجال الحركة الإصلاحية اشتغل بالتدريس قبل الاستقلال، وبعده عمل مفتِّشا للأوقاف والشؤون الدينية بقسنطينة. له أراجيز في السخرية. يمتلك حافظة خارقة، لا تغادر كبيرة ولا صغيرة إلا استوعبتها وحفظتها. معلومات أمدَّني بها الأستاذ محمد الصالح رمضان في مراسلة خاصَّة يوم: 10/ 10/1993م.

(3) أحمد رضا حوحو " الشيخ النعيمي "، جريدة البصائر الثانية، ع: 262 (12/ 03/1954م).

٣٠٠ / ٤٩٤