السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠١

المجال الأدبي والعلمي، وليس المجال الذي يعني بالجانب المادي فحسب: " … وقد نسي قفة تكدَّست فيها بعض المشتريات، التي أوصته ربَّة المنزل بشرائها، وإذا ألقيت نظرة على محتويات هذه القفَّة وجدت فيها نصيبًا من المشتريات المظلومة. وقد صارحك السكَّر أنَّه مظلوم، وأنَّ ربَّة الدار أوصته أن يأتي بقطعة صابون، ولقال لك الزيت إنَّه احتلَّ ظلمًا مكان زجاجة الخلِّ، حيث خانت الشيخ ذاكرتُه فأبدل بالصابون سكَّراً، وبالخلِّ زيتًا، كما خانته ذاكرته فاحتلَّ عربة الترام المعاكسة إلى خطِّ اتِّجاهه، وقد تربَّع جالسًا في مقعد، منتظرًا خلوَّ مقعدٍ ليحتلَّه؛ لأنَّه نسي أنَّه جالس، يسير إلى اتِّجاه معاكس إلى اتِّجاه منزله، وإذا تذكَّر أنَّه نسي محفظة نقوده عند بائع، نسي اسمه وحرفته ومكانه، يهبط مسرعًا، تاركاً وراءه محفظة كتبه، وقد نسيها كما نسي ضيفًا ضرب له موعداً في مكان نسيه … "(1).

حرِصَ الكاتب على بيان أنَّ النسيان قد أفرط بالشيخ إلى حدِّ أنَّه لم يترك له حسًّا، فأفقده إنسانيَّته وقد بالغ في تصوير ذلك. وبيَّن أنَّ ذاكرته كانت تخونه: يضيِّع اتِّجاه بيته، ويفقد محفظة نقوده وكتبه. يظلم بعض الظلم؛ فيشتري أشياء لا تُطلب منه، ويترك أخرى مطلوبة. يتعب ربَّة بيته، التي لا تطمئنُّ على مصالحها ومآربها أن يقضيها لها زوجها، يضيِّع مصالح الناس؛ لأنَّ ذاكرته لا تقوى على تذكُّر مواعيده، ولا الأشخاص الذين يلتقي بهم، ولا أمكنة المواعيد. إلى غير ذلك من ألوان المبالغات التي اعتمدها الكاتب؛ ليقدِّم صورة كاريكاتورية رائعة عن هذه الشخصية.

ومما ساعده على هذا التصوير، وتوفير هذا الأسلوب لجوؤه إلى لغة بسيطة موحية، وإلى بعض الاستعارات المنتقاة، التي سبرت غور شخصية الشيخ، ومتحت نفسية الكاتب الذي كان يرمي إلى أن يقول ليس المهمُّ ما وصفناه، وليس العيب في ما يتصرَّف به الشيخ، إنَّما المهمُّ هو أنَّ الشيخ، حتى ولو كان كثير النسيان لشؤون معاشه؛ فإنَّ له في ميداني العلم والأدب ذاكرة " قوية يقظة، لا يشقُّ لها غبار، ففي استطاعته أن يروي لك نادرة طالعها في كتاب، يذكر لك اسمه ومؤلِّفه

(1) م. ن.

٣٠١ / ٤٩٤