السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠٢

وتاريخ طبعه، ويذكر لك عدد السطور من كتاب لاحظ فيه خطأ مطبعيًّا لبيت من الشعر أو نصًّا من حكم"(1).

رسم الكاتب نفسه صورة عن مشكلة تداخل التخصُّصات، وفقدان الحدود بينها؛ بما يعود بالسلب على العلم – أحياناً – مثَّل لِذلك بشخصية عبد الرحمن شيبان(2)؛ فتساءل مع القرَّاء هل هو ينتمي لعلماء الدين أم لرجال الأدب(3). قال عن هذه الشخصية: "لقد اعتقد ذات يوم أنَّه رجل دين، فتعمَّم و (تجبَّب) وتبرنس، وجلس للإمامة والإفتاء، وتقدَّم له شخص يطلب الفتوى في مسألة دينية، فما كان من الشيخ إلاَّ أن تنحنح وراجع قواعد أصوله وفروعه، وقال: قال الشيخ معروف الرصافي رحمه الله ورضي عنه، واسترسل يرتِّل قصيداً من شعر الرصافي، فهو إذن رجل دين"(4).

الصورة الكاريكاتورية تبرز في رسم الكاتب حركات "عبد الرحمن شيبان" وهو يكلِّف نفسه عناء كبيرًا، ليحشرها في زمرة علماء الدين مع أنَّه من رجال الأدب، بدليل أنَّه يروي عن الرصافي وما شابهه بدل الفقهاء، ويرتِّل قصائد بدل نصوص شرعية. هذه الحركات المفاجئة، اللاَّفتة للنَّظر تبعث على الضحك والسخرية؛ إذ بمجرَّد أن اعتقد "شيبان" نفسه - ذات يوم هكذا ومرَّة واحدة - رجل دين، تلبَّس بلبوس علماء الدين - دون أن يكون منهم- فتعمَّم وتجبَّب وتبرنس وجلس للإمامة والإفتاء، وقد أصبح عالماً دينيًّا بين عشية وضحاها. ثمَّ بمجرَّد أن استفتي في مسألة دينية استعدَّ للإجابة؛ فتنحنح إشعارا بِعظمته، وببروزه في الميدان، بل وتبرُّزه في مضمار الدين، ثمَّ راجع قواعده بأصولها وفروعها، ثم قال

(1) م. ن.

(2) من كتَّاب جريدة البصائر البارزين، مفتِّش اللغة العربية في المرحلة الثانوية سابقًا، ووزير سابق للشُّؤون الدينية في الجزائر.

(3) هذه المشكلة مثَّلت هاجسًا كبيرًا، شوَّشت فكر الكاتب؛ إذ كان يراها تكاد تكون عامَّة في هذه الطائفة من الأدباء الذين درسوا دراسة مسجدية، والذين يروون دينهم عن كبار الأدباء. كان يعرض هذه المشكلة مرَّات عديدة، وفي مناسبات مختلفة وبخاصَّة في جريدة البصائر، ركن "في الميزان".

(4) أحمد رضا حوحو، "عبد الرحمن شيبان"، البصائر الثانية، ع: 265 (02/ 04/1954م).

٣٠٢ / ٤٩٤