السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠٤

السخرية من "بكوشة" تبدو في هذا التصوير اللاَّذع، وهو كون صاحبنا ضريبة ثقيلة على التجارة التي لا تطيقه، ولا تتحمَّله في صفوفها؛ لأنَّه دخيل عليها، لا يحمل أية ميزة ولا مؤشِّر يبيح له الانضمام إليها، بل العكس إنَّ ممارسته التجارة يعطِّل حركتها، مثلما تكون الضريبة عائقًا لها عن السير الحسن.

كما أنَّ التهكم الهازئ يبرز في تصوير "بكوشة" بأنَّه هاوي تجارة، وليس محترفًا؛ بدليل أنَّه لا يثبت على تجارة واحدة كامل العام، بل كان ينتقل من صنف إلى صنف. والسخرية الماكرة تبلغ قمَّتها، حين يصوِّره بأنَّه لا يفرِّق بين الأصناف في التجارة والأصناف في الأدب، إذ يسمِّي تجارة الخريف نثرًا وتجارة الشتاء شعرًا. هذه المبالغة هادفة إلى تصوير حقيقة "بكوشة" الذي لا يفقه ميدان عمله الحقيقي، وهنا يتولَّد التصوير الساخر.

ثم يضيف الكاتب قائلا: "وإذا أخذنا بمذهب طه حسين في التشكيك، وطبَّقنا على حمزة بكوشة ما طبّقه طه على شعراء الجاهلية، وألقينا نظرة خاطفة على شريط حياته، نجده يبدو لنا في بعض الأحيان شيخًا معمَّمًا، يعظ ويرشد، وأحيانًا يبدو مطربشًا مرتديًا لباسًا إفرنجيًّا، معتكفًا على تحبير أعمدة الصحف، وتارة عالماً دينيًّا، يعلِّم ويفتي، وأخرى شاعرًا ماجنًا يتغزَّل ويجد، بعد ذلك نجده تاجرًا معتكفًا على الحسابات والأرقام، وفي صورة تختلف كلَّ الاختلاف عن الصور المتقدِّمة … وعلى هذا فإنَّ شخصية هذا الرجل خرافية لا وجود لها في عالم الحقيقة، ولنا الحقُّ إذن وكلُّ الحقِّ في التساؤل: هل في الجزائر حمزة بكوشة؟ "(1).

في التساؤل الأخير تبلغ السخرية ذروتها؛ إذ فيه المبالغة في تقدير شخصية "حمزة بكوشة" غير المستقرَّة على حال واحدة، وغير الثابتة في ميدان واحد. هذا عيب فيه - في نظر الكاتب - لأنَّه يعيقه عن الإنتاج الحسن، والإتقان الجيِّد للأعمال. وهو ما عبَّر عنه بقوله: (إنَّ شخصية هذا الرجل خرافية لا وجود لها في عالم الحقيقة).

(1) م. ن. وهو نفسه (أي بكوشة) كان يتساءل هذه الأسئلة، بما كان يكتبه في جريدة البصائر الثانية. هل عندنا أدباء؟ هل عندنا علماء؟ هل عندنا زعماء؟.

٣٠٤ / ٤٩٤