السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥هكذا يكون الكاتب قد وظَّف الأسلوب الكاريكاتوري في نقد شخصيَّاته التي عرضها في ميزانه، للتَّوجيه والتربية والإصلاح، وخدمة أهداف نبيلة. ولم يكن قصده التفكُّه فقط، أو النَّيل من الناس؛ بسرد عيوبهم وذكر نقائصهم ومثالبهم.
هذا الأسلوب لم يكن جديداً في الأدب العربي فقد عرف به كتَّاب كثيرون. عرف به "ابن دنيال (ت 710هـ) بتمثيليَّاته(1) وله نماذج في كتاب "الإنسان والحيوان أمام محكمة الجن"(2). كما استعمله "محمود بيرم التونسي" في انتقاد بعض الشخصيات التونسية التي كانت تترفَّع عن المجتمع؛ بما عدَّه انحرافًا اجتماعيًّا. كان ينشر هذه النقدات في جريدته "الشباب" في ركن سمَّاه "الشخصيات التونسية بالريشة والقلم"(3).
نسجِّل في الختام أنَّ الأسلوب الكاريكاتوري الذي كتب به الأدباء ما عرضناه، اعتمد على المبالغة، وعمد إلى اللغة البسيطة الواضحة الموحية، وحرص على التتبع الدقيق لبعض أنواع السلوك، وخصوصيَّات خُلقية وخَلقية، وجنح إلى وصف تفصيلي لبعض الجوانب، وعرض مركَّز لبعض الآراء. قصدا إلى تحقيق الأهداف المرسومة والمنشودة من الكتابة.
د - أسلوب التنكيت والتندر:
يلجأ الأديب - أحيانا- إلى السخرية المرحة القصيرة لتصوير إحساسه بالأثر الذي يعمل في نفسه، ومن ثمَّ يسعى إلى التخلُّص من الغيظ الذي يملأ قلبه، فيخفِّف عنه آلامه. هذا ما يعرف بأسلوب النُّكتة أو النَّادرة الساخرة التي هي خبر أو قصَّة قصيرة مضحكة(4) "عمادُها ذكاء حادٌّ وبديهة حاضرة، وتخلُّص فكه وردٌّ
(1) ينظر كتاب السخرية في أدب المازني، ص: 92 وما بعدها.
(2) ينظر زكي مبارك، النثر الفني في القرن الرابع، ج1، دار الجيل، بيروت، (د. ت)، ص: 333 وما بعدها.
(3) ينظر "محمود بيرم التونسي في المنفى حياته وآثاره، ج1 "، ص: 552 - 554.
(4) الفكاهة في أدب الجاحظ، ص: 13. نقلاً عن الفكاهة في مصر، ص: 13. ينظر أيضاً الشعر الفكاهي في مجلَّتَي الفكاهة والإثنين، ص: 9.