السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٧هذا الشيخ في ضعف الكتابة: أسلوبًا وفكرًا ومحاججة. ولم ينس تسجيل ما يدور في خلد الشيخ وخلد أمثاله من آراء سقيمة وأفكار مريضة … سجَّل ذلك بأسلوب النُّكتة والنَّادرة الساخرة؛ متظاهرا بنفي مظاهر العجز والضعف والإخفاق عن الشيخ، وهو يقصد إلى إثباتها له. إمعانًا في التنكيت والتندُّر به.
يقول الكاتب على لسان "الأرضخ" أحد أبطال "جلسة المخذولين" مدافعًا عن الشيخ الطرقي، الذي كتب مقالاً يردُّ فيه على المصلحين، بأسلوب ركيك وفكر ضعيف، ينمُّ عن فقر في العلم وجمود في العقل وضيق في الفكر: "فإنَّ الشيخ والحمد لله في غزارة العلم وقوَّة البيان ورجحان العقل واتِّساع دائرة الفكر، بحيث لا يدرك له شأو ولا يُشَقُّ له غبار، ولو شاء لأتى بما يعجز الإنس والجن، ولكنَّه اختار تلك الطريقة في كتابته عن قصد وتعمَّد، وكثيرًا ما كانت تتساقط عليه الأساليب البليغة العالية، فيدفعها عن نفسه، ويختار من بينها الأركَّ الأضعف لحكمة لا يفهمها إلاَّ الراسخون في العلم، ذلك كلُّه لحبِّه الخمول الذي هو أصل كلِّ خير، وكراهية الشهرة التيِّ هي رأس كلِّ خطيئة، فهو يبتعد عنها ابتعاد أحدكم من النار. كان يخاف إذا كتب بمثل ذلك الأسلوب العالي أن ينتشر صيته، وتتَّجه إليه الأنظار، فربَّما داخله العجب بذلك، فأضرَّ بآخرته. هذا غرضه ومقصده، شأن أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"(1).
يعرِّض الكاتب - في النص- بالشيخ الطرقي ويتندَّر به بطريقة ذكية وخفية، ملمِّحًا إلى حقيقة شخصيته التي تتَّصف بالضعف والعجز عن الكتابة والفقر إلى الأفكار السليمة إلى غير ذلك، ممَّا يجب أن تتَّصف به الشخصية الكبيرة والزعيم الذي يتصدَّر قومه. هذه الطريقة هي التي تحقِّق هدف السخرية، وهو النَّيلُ من كبرياء المسخور منه، والحطُّ من شخصيته وإسقاطُ قدره(2).
(1) إيِّاس، "جلسة المخذولين"، جريدة وادي ميزاب، ع: 79 (20/ 04/1928م).
(2) فمن معاني الإندارِ الإسقاطُ، ينظر لسان العرب، مج3، ص: 607. مادة (ندر). كما أنَّ من معاني التندُّر المأخوذ من أصل مادة (ندر) إظهار العيوب بطريقة ملتوية، فيها تباله وتجاهل وإظهار نوادر الشخص الذي يتندَّر منه ومن شذوذه. ينظر كتاب السخرية في الأدب العربي، ص: 11.