السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠٨

ومن ألوان هذا التندُّر سوقه بعض أوصافه للرَّجل على شكل أقوال مأثورة، وحقائق مقرَّرة مستخلصة من التجربة والمخابرة (الشهرة رأس كلِّ خطيئة، الخمول الذي هو أصل كلِّ خير، يختار من بينها الأركَّ الأضعف لحكمة لا يفهمها إلاَّ الراسخون في العلم … ).

كما يبرز التندُّر بالشيخ وأتباعه في تصويرهم بأنَّهم يحرصون على الابتعاد عن الخطيئة وعن النَّار، ويبتغون صلاح الآخرة، شأن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بينما كلُّ تصرُّفاتهم تشي بعكس ما يبدونه. يلمِّح الكاتب إلى ذلك، دون أن يشير إليه، صراحة وهذا ادعى إلى النَّيل من المسخور منه.

والنص وإن لم يكن قصَّة حقيقية، غير أنَّه كان يحمل روح القصَّة؛ إذ تعمَّد الكاتب نسج جزئيَّات أو لمحات من شخصية الشيخ العلمية والأدبية في شكل قصَّة، وأتى في هذا النص بما هو شاذٌّ ومخالف للقياس وللمنطق – هذه إحدى مواصفات النكتة والنَّادرة - وهو ما أضفى على النص صفة التنكيت والتندُّر، اللذين لا يبدوان بارزين فيه إلاَّ بعد التأمُّل، وربط ما جاء في النص بالروح التي يحملها الكاتب نحو هؤلاء المناوئين لنشاطه الإصلاحي وبعلاقته بهم. وبهذا الأسلوب بضع الكاتب من الشيخ الطرقي، في حين يبدو وكأنَّه يرفع من قدره.

يبقى التندُّر بالطرقية وسلوكها ومعتقداتها إحدى وسائل الكتَّاب المصلحين للنَّيل من خصومهم. النَّادرة الآتية تكشف هذه المفارقة العجيبة، التي أفرزها سلوك الطرقيِّين -حسب نظر الكاتب - إذ أنَّ الدين يأمر بترك اللحية - والدين هو ما يدَّعي الطرقيُّون التمسُّك به - بينما الأتباع المتديِّنون لا يطيقون ذلك، حتىَّ إذا أمر الأشياخ بعدم حلق اللحية، ثقل على الأتباع تطبيق ما يأمر به الدين.

وإذا كان الأشياخ قد فرضوا على كلِّ مخالف لذلك دفع ضريبة سنوية، فإنَّ ذلك سيسبِّب لهم استنزاف جيوبهم، لأنَّهم لن يتمكَّنوا من تنفيذ الأوامر:"صدر الأمر بفرض ضريبة سنوية على كلِّ حلِّيق من أتباع الطرقية (البربلانية) وأطلق عليها اسم (ضريبة الحلق) وقد أحدث هذا الأمر ضجَّة بين الأتباع الحلِّيقين، ورأوه

٣٠٨ / ٤٩٤