السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩ضربًا من ضروب التدجيل، وفنًّا من فنون التحصيل، والمظنون أنَّهم سيحتجُّون ضدَّه؛ لأنَّه مستنزف لجيوبهم، مخلٌّ بوظائفهم(1).
التندُّر يظهر في هذا التلميح الذكيِّ للمفارقة التي تبدو في سيرة هؤلاء الطرقيِّين: التناقض بين المعتقد والسلوك، بين الادِّعاء والحقيقة. وقد أبرزت هذا التنكيتَ(2) بعضُ الكلمات والعبارات المنتقاة: (ضريبة الحلق، ضرب من ضروب التدجيل، مخلٌّ بوظائفهم … ).
في هذا التنكيت مسٌّ بمصداقية الطرقيِّين، وكشف لحقيقتهم، وفضح لدخائلهم، وتنبيه الناس إلى عدم الاغترار بما يدَّعيه هؤلاء القوم.
كما يتندَّر أبو اليقظان بمهزلة الانتخابات، وبالأسلوب الذي كانت تمارسه فرنسا في الجزائر؛ لتُوهِم الناس بأنَّهم يحصلون على حقوقهم، بينما هي تقوم بعملية تخديرهم وتنويمهم، لتلهيهم عن المقاومة والعمل الجهادي. صوَّر الكاتب ذلك على شكل قصَّة قصيرة رامزة، كان أبطالها فواكه وبقولاً: "بما أنَّ السعادة عند علماء اللغة والفلسفة هي الضحك، فقد رأينا أن نتحف القرَّاء بقصَّة طريفة في القرن العشرين، قرن النُّور والحضارة والتمدُّن والحرية، وهي أنَّ البقول والفواكه اشتركت مع الإنسان في الحقوق، ودخلت معه في ميدان الانتخاب، فقد انتخب الباذنجان والفلفل والطماطم والبطل والثوم والقرع مع مشاركة مادَّة القطران معهم وانتخبوا السيِّد (كبوية) رئيسًا، فقد أصابوا، إذ هو كبير الجسم، مجوَّفه، مكوَّر الشكل، فارغ الفؤاد، فنُهنِّئه بهذا الفوز، ونتمنى له الانتشار، ونقول له بملء أفواهنا في بوق إسرافيل مبروك"(3).
التنكيت والتندُّر يبدوان في هذه القصَّة المفتعلة الرامزة، التي تختصر المسافة إلى الهدف، وهو فضح مهزلة الانتخابات، وتنبيه الناس إلى عدم الوثوق بهذه
(1) "تسديد العجز" (د. إ)، جريدة ً المرصاد، ع:
(2) من معانيه الضرب والقرع والحز المؤثِّر، ينظر لسان العرب، مج3، ص: 713. مادة (نكت).
(3) "مضحك"، " أعجوبة آخر الزمان "، جريدة الأمَّة، ع:21 (19/ 02/1935م) النص لأبي اليقظان.