السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٠الممارسات؛ لأنَّها إحدى مؤامرات العدوِّ ودسائسه. وقد وفِّق الكاتب في اختيار فاكهة "الكابوية" لتمثِّل الرئيس، الذي وقع عليه الاقتراع تنكيتًا وتقريعًا لمن ينحرف في سلوكه عن سواء السبيل، لأنَّ "الكابوية" بشكله الكبير المكوَّر المجوَّف الفارغ، يمثِّل نوع الناس الذين يفوزون في الانتخابات، التي تنظِّمها فرنسا، وتوجِّهها كيفما تشاء، وبما يتماشى مع مصالحها. والعبارة الأخيرة تعصر ما في قلب الكاتب من كمد وحسرة وألم أزاء الممارسات التي تنال الأمَّة في الصميم - إذ هي من قبيل التندر والتنكيت والتألُّم - وهو يعلن تهنئته بفوز "الكابوية" في الانتخابات، ويختار بوق إسرافيل وسيلة توصل الخبر إلى كلِّ مكان.
هذه نماذج من أسلوب التنكيت والتندُّر، الذي استعمله الكتَّاب للتخلُّص من آثار الظروف العصيبة التي ألمَّت بهم فآلمتهم كثيرًا. حاولوا بواسطته دفعها عن أنفسهم ولو إلى حين؛ لأنَّ النكتة تخفِّف من حدَّة التوتُّر لدى القائل والسامع معًا، وتحرِّر من الضغط والنفوذ المسيطرين على النفس(1).
هـ - أسلوب التبكيت:
ممَّا يتفرَّع عن التنكيت والتندُّر أسلوب التبكيت، الذي يُعمَدُ فيه إلى إفحام المخاطب والمتحدَّث إليه، والكشف عن زيف ما يدَّعيه، وجرح كبريائه؛ بقرعه بالحجَّة، وإسكاته وتعنيفه بالكلام. من أمثلة ذلك ما أورده القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾(2). في هذا السؤال تبكيتٌ لوائدها(3).
وهو في السخرية أسلوب يعتمد – عادة - على التلميح والإشارة والرمز واللجوء إلى التعبيرات والجمل اللاَّذعة. هذه الجمل "تكون كالحكم السائرة، وتتناول شخصًا من الأشخاص أو مهنة من المهن بالنقد اللاَّذع المختصر، ويكون في صيغة (التعريف) وقد اشتهر كثير من أدباء الغرب بهذا النَّوع أمثال برناردشو
(1) ينظر الشعر الفكاهي في مجلَّتَي الفكاهة والإثنين، ص: 11 - 13.
(2) سورة التكوير، الآيتان، 8، 9.
(3) لسان العرب، مج1، ص: 248، مادة (بكت).