السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٣وفي نصٍّ آخر يكون التبكيت موجَّهًا للتَّعريض بشخص يتزيَّا بأزياء لا تتناسب مع جنسه (الذكر). وكان الهدف تنبيه الناس إلى نوع من الانحراف عن الفطرة وعن الطبيعة، ومن ثمَّ نصحهم وإرشادهم إلى الصحو من هذه الغفلة: "قصد رجل المرحوم عبد الحليم بن سماية(1) صاحب المواقف المشهورة، واستفتاه في لبس خاتم من ذهب، فأجابه بالجواز، لكنَّ المستفتي عارضه بالحديث الشريف الذي يقول: الذهب والفضَّة هما حرام على ذكر أمتي. فجابهه الشيخ نعم هذا صحيح، لكن هل أنت ذكر؟! "(2).
كما قلنا سالفًا إنَّ التبكيت قد يكون على شكل تعريفات مختصرة، تعبِّر عن المشاعر المحتدمة، وفي الوقت نفسه تكشف عن براعة أصحابها في تزييف ما يدَّعيه بعض الناس من إرادة الخير للغير، وتفنيد ما يزعمونه من قصد الإصلاح والتغيير نحو الأحسن. وهو ما أسميته بأسلوب التبكيت. نأخذ أمثلة على ذلك بما جاء في ركن "قاموس الشعلة" الذي هو عبارة عن أفكار في كلمات وآراء في همسات: "المجلس الجزائري مستودع أدمغة عاطلة عن العمل، وقيل إنَّه مجموعة كبيرة من الأفكار والعقول، تفكِّر تفكير رجل واحد، وتحسُّ إحساسه. الجزائر قطعة من فرنسا في الخطب والبروتوكولات، وقطعة من جهنَّم في الحكم والمعاملات، وقيل أنَّها متحف تحفظ فيه نماذج مختلفة من أحكام القرون الأولى، وقيل إنهَّا معمل تجري فيه تجارب القضايا المنطقية المعكوسة، وقيل أنَّها أرض عربية إسلامية مغتصبة، ولكنَّ هذا القول ضعيف، لا يستند على قوَّة، وكلُّ اعتماده على الواقع، ولا أكثر ولا أقل"(3).
(1) عبد الحليم علي بن سماية (1866 - 1933م) من المصلحين الجزائريِّين الأوائل الذين اعتنقوا مذهب محمد عبده، صاحب ثقافة وعلم واسعين، من الرجال الذين أسهموا في تثبيت أركان الإصلاح في الجزائر، نشر مقالات في الأخلاق والمجتمع في جريدة الإقدام وكوكب إفريقيا … ينظر المقالة الصحفية … مج2، ص: 218.
(2) "هل أنت ذكر" (د. إ)، جريدة الشعلة، ع7: (26/ 01/1950م).
(3) قاموس الشعلة (د. إ)، جريدة الشعلة، ع:31 (13/ 07/1950م).