السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٤التبكيت الذي أراه في هذه التعريفات - الذي قد لا يبدو جليًّا في النص، وقد يردُّه البعض- يبرز فيما يأتي:
1 - تزييف ادِّعاءات المستعمرحبَّه الخير لأهل الجزائر، وتهيئته وسائل العيش والحياةِ حياةً كريمة بينما هذه الوسائل في الحقيقة تخدم مصالحه، وتذلُّ أبناء الوطن. وفي ذلك تبكيت وتقريع له، وكشف ادِّعاءاته لمعرفة حقيقته.
2 - تهكم بالجزائريِّين الذين يظنّون أنَّهم يعيشون عيشة رغدة وطيِّبة، وينخدعون بالمظاهر التي تعلن عنها فرنسا، وهي في حقيقتها إذلال لهم. وفي هذا تندُّر بسذاجة عقولهم وتفكيرهم، وفيه تبكيت للجزائريِّين المحسوبين أعضاء في المجلس الجزائري، الذين هم عاطلون عن العمل والتفكير؛ ما داموا لا يقوون على الدفاع عن الوطن، ولا يستطيعون الانفلات من تفكير من يسيِّرهم، أي هم فاقدون للاستقلالية في الرأي والتفكير … عسى ذلك يحرِّك فيهم ما خفت من المشاعر، ويعيد إليهم ما فقد من حسن التفكير والتدبير.
3 - التأكيد على التناقض والمفارقة في تصرُّفات المستعمر بخاصة؛ إذ الجزائر قطعة من فرنسا في الخطب … وقطعة من جهنَّم في الحكم والمعاملات، وهي معمل تجرى فيه تجارب القضايا المنطقية المعكوسة.
بين طيَّات هذه التعريفات يكمن التهكم، الذي يجسِّد مشاعر نفسية من الإحباط والتذمُّر والاحتقار. وفيها تبكيت ملمَّح ومرموز إليه رمزًا، بما أشرنا إليه سابقًا.
هكذا يكون أسلوب الاختصار مجديًا في التعبير عن المشاعر ونقل الأفكار: "وهكذا يكون الرمز والإيماء في السخرية التي تجافي الإطناب كلَّ المجافاة؛ إذ أنَّها نتاج العقول الذكية، وتخاطب في الأغلب الأعمِّ العقول اللمَّاحة"(1).
و - أسلوب المفارقة:
هو أسلوب يعمد إليه الأديب للكشف عن التناقض الحاصل في تصرُّفات بعض الناس، وتقديم ذلك تقديما متهكما ساخرًا مستهزئًا. من ذلك تسمية الأشياء
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 49.