السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٥تسمية معكوسة، ونقل الأفكار نقلاً مغلوطاً، وسرد المشاعر سردًا شاذًّا.
كتب أبو اليقظان مقالاً كاملاً بهذه الطريقة يوصي فيه ابنه وصايا، تخالف ما اعتاده الناس، وما يدعو إليه العقل، وما يفرضه الدين. نطق بذلك مجاراة للظّروف والملابسات التي يعيشها المجتمع الجزائري، وتعبيرًا عن المفارقات التي لحظها في المجتمع؛ بما يدعو إلى الإشفاق والدهشة والتحسّر من استهتار الناس بالقيم السامية والأخلاق الفاضلة: "كن منافقًا مرائياً ملاَّقًا، وفي كنف هذه الصفة تعيش مملوء الجيب، طويل العمر، وإيَّاك والصراحة والجهر بالحقِّ، فإنَّ هذا ممَّا يقصم ظهرك. كن خائناً كذَّاباً، فإنَّك تعيش خفيف الظل، عذب اللسان، وإيَّاك والنصح والصدق، فإنَّ هذا ممَّا يجعلك مرموقًا بعين الحنق والاستثقال … "(1).
في المقابلة بين النصائح والنَّتائج المتحصَّل عليها تكمن السخرية؛ لأنَّها نتائج تكشف عن سلوك تضرَّر به المجتمع كثيرًا، وهو اللجوء إلى السهل الميسور، والاشتغال باللهو والعبث، والتحلِّي بصفات رذيلة وارتكاب الموبقات والحماقات … هذه هي المفارقات التي أدهشت الكاتب وحيَّرته، وقد عالجها في أدبه كثيرًا، غير أنَّه لم ير لذلك أثرًا يقنعه بجدوى مسعاه أو عمله، فتحوَّل إلى ساخر متهكِّم، يفرغ ما في قلبه من كمد، وما فيه من وجد.
لم يكن أبو اليقظان بدعًا من الأدباء، الذين سلكوا هذا المسلك، وانتهجوا هذا الأسلوب. بل وُجِدَ من سلك السبيل نفسه، يقول د. محمد ناصر: "فإنَّ في أخلاق المجتمع ما يدعو الكتَّاب إلى معالجتها في بعض الأوقات بمثل ذلك الأسلوب، وكأنَّهم يقابلون سخرية الناس بالقيم بالمبادئ بسخرية مثلها، أو كأنَّهم يضطرُّون إلى مثل هذه الوقفة إذا أعياهم القول الجاد والنَّظرة الصارمة"(2).
كما كان تذمُّر الأدباء من المفارقات التي تطبع دائمًا سياسة المستعمرمع
(1) "أبوك الكذَّاب"، "وصية كذَّاب لابنه"، جريدة وادي ميزاب، ع:88 (22/ 06/1928م) النص لأبي اليقظان. ينظر للكاتب نفسه، "عُومْ بحْرك يا … " جريدة البستان، ع:4 (23/ 05/1933م).
(2) المقالة الصحفية الجزائرية، مج2، ص: 192.