السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣١٦

الأهالي كان ذلك كبيرًا، وقد برز ذلك جليًّا، فكتبوا عنها ساخرين نشير إلى ذلك بشيء من الاختصار(1). يتعرَّض محمد البشير الإبراهيمي إلى مسألة فصل الدين عن الحكومة، أو فصلها عن الدين؛ مبرزًا التناقض الذي تعيشه مع هذه القضية، التناقض بين القول والعمل، بين التصميم والتردُّد في حسم الأمر. وفي الأخير تقرَّر الفصل في باريس وفي الدستور، وتأكَّد الوصل في الجزائر والواقع، وهنا تكون المفارقة: الجمع بين الوصل والفصل في آن واحد: "أمَّا الحكومة الجزائرية، فأنَّها تحلف برأس كلِّ عزيز عليها أنَّها قادرة على الجمع بين الفصل والوصل في آن واحد، وأنَّها زعيمة الجمع بين المتناقضات، ولا عجب من حكومة كاثوليكية لائكية أن تضيف لهما نقيضًا ثالثًا، وهو التمسُّك بالإسلام"(2).

المفارقة تبدو في الجمع بين الفصل والوصل، وفي احتواء الحكومة متناقضات لا يحتملها المنطق: حكومة لائكية تتبنَّى المذهب الكاثوليكي، تضيف إلى ذلك التمسُّك بالإسلام. وتهكم الكاتب من هذه الحكومة يبرز في هذا التعبير الموغل في الاستهزاء والاحتقار، تحلف برأس كلِّ عزيز عليها أنها قادرة … ، زعيمة الجمع بين المتناقضات … ).

ويعبِّر الكاتب نفسه عن المفارقات التي يعيشها الشعب الجزائري نتيجة ممارسات استعمارية جائرة. " … وفي الجزائر مشرَّدون شبعوا بالجوع، واكتسوا بالعرى، وعلموا بالجهل، وتداووا من المرض بالمرض، واستجاروا من الموت بالموت فأجارهم … "(3).

يبقى الانحراف مجالاً كبيرًا للكشف عن المفارقات، وقد استغلَّه الأدباء للسخرية والتهكُّم، خاصة عندما يؤدِّي هذا الانحراف إلى الانسلاخ من الجنسية، والتخلِّي عن الملَّة والوطنية. فالبشير الإبراهيمي يسخر من أبناء المسلمين، الذين

(1) لقد أشرنا إلى ذلك في ثنايا البحث، وحلَّلنا بعض النماذج.

(2) عيون البصائر، ص: 62. المقال بعنوان "فصل الدين عن الحكومة ". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:57 (22/ 11/1948م).

(3) م. س، ص: 388. المقال بعنوان "لجنة فرانس إسلام". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:115 (10/ 04/1951م). ينظر أيضاً أبو اليقظان جريدة الأمَّة، ع:155 (22/ 02/1938م).

٣١٦ / ٤٩٤