السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢٤تؤدِّي وظيفتها إلاَّ إذا التزم فيها بهذه المواصفات، التي تشترط في اللغة الفنية. فكيف كانت لغة الأدب الجزائري الساخر؟ وما هي خصائصها؟.
نحاول فيما يأتي سرد بعض هذه الخصائص مع تسجيل أنَّ كثيرًا من هذه الإشارات قد وردت في ثنايا هذا البحث بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. الخصائص التي وقفنا عليها لا تنسحب على كلِّ الأدباء بالتساوي، ولا نجدها مجتمعة عند كلِّ أديب، إنَّما يتفاوت الأدباء في الخصائص من حيث بروزها في أدبهم قوَّة وضعفًا، كثافة وندرة، وانعدامَ البعض منها عند آخرين، إنَّما نشير إلى ما تجمَّع لدينا من هذه الخصائص؛ انطلاقًا من استقراء النصوص، لا اعتبارًا لما كتبه كلُّ أديب على حدة.
1 ـ الوضوح والبساطة والسهولة:
أوَّل ما يلفت النَّظر في لغة الأدباء هذه التقريرية والمباشرة التي طبعت كتاباتهم، والوضوح والبساطة والسهولة التي وسمت لغتهم، ولهذه الخاصية أو الظاهرة أسبابها، التي من بينها التأثُّر بمدرسة الإحياء في المشرق -عند الكثير منهم- التي تغلب على كتاباتها هذه الصفة. ومنها طبيعة الجمهور المخاطب، الذي يتميَّز بثقافة بسيطة، وبخاصة الثقافة الأدبية. كما قد يكون سبب ذلك طبيعة المقاومة والصراع مع مختلف الفئات، وفي مختلف الواجهات، التي تقتضي اللجوء إلى لغة سهلة واضحة، لا تعير للجانب الفنّي كبير اهتمام؛ إذ يكون المهمُّ والأهمُّ في كلِّ ذلك هو إيصال الفكرة، ولو على حساب الفنِّ. كما كان لطغيان النَّزعة العقلية والفكرية في كتابات الأدباء أثره في إفراز هذه الظاهرة. ومن الأسباب أيضًا تداول الأدباء مفردات معيَّنة واستعمال لغة متشابهة نظرًا لتشابه الظروف التي عاشوا(1).
ونعني بالوضوح والسهولة ما اشترطه النُّقاد، وهو بقاؤهما في إطار الجمال الفنِّي، الذي يستبعد الابتذال في الألفاظ، ومجاراة المعروف من المعاني والأفكار بين عامة الناس، وينأى عن لغة التخاطب العادي، وفي هذا يقول عباس محمود العقّاد:
(1) هذه الملاحظة تنسحب على الأدب الجزائري بعامَّة في الفترة التي حدَّدناها للدِّراسة (1925 - 1962م).