السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٢٥

"هذه السهولة ينبغي أن تقتصر على الذين يقدِّرون الجمال ويحبُّونه، بعد الخبرة والممارسة والتذوُّق والتهذيب"(1).

نكتفي بإيراد نماذج قليلة؛ نظراً لشيوع هذه الظاهرة في كثير من النصوص التي عرضناها في ثنايا البحث في مختلف الفصول.

"باعزيز بن عمر" ينتقد رجال الدين الرسميِّين، الذين يعبثون بمصالح المسلمين وأمور الدين. فيخضعون لإرادة المستعمر في تعيين وقت بروز هلال رمضان والعيد وغيرهما. يستعمل في ذلك لغة بسيطة واضحة، لا تعقيد فيها ولا غرابة. وقد بلغت هذه اللغة - أحيانا- حدَّ التقريرية؛ ببساطتها وخلوِّها من التصوير والإيحاء تقريبًا.

فبعد أن نفى الكاتب أنَّه قصد في حديثه تناول هلال رمضان أو شعبان؛ لأنَّ الهلال هذه المرَّة قد رآه كلُّ الناس، يضيف: "لأنَّ هذا كلَّه ما كفانا مؤونة النَّظر فيه أولئك الفقهاء المتضلِّعون في علم المعقول والمنقول، الضاربون كذلك في فنِّ التنجيم بسهم وافر، فنالوا الألقاب العريضة والرتب المتنوِّعة والشارات البرَّاقة، وقيل لهم: قولوا في الهلال وغيره من مسائل الدين ما شئتم، فكلمتكم هي العليا، فأنتم العلماء، بكم يعلو نجم الدين ويقوى وازعه في النفوس، وبكم تقام الفرائض والسنن، ويرتفع للمسجد صوت"(2).

السخرية التي توفَّر عليها النص تعريضًا وتبكيتًا وتحقيرًا، قدَّمتها لغة بسيطة واضحة كانت في متناول مدارك المخاطبين، ومنسجمة مع المشاعر المحتدمة، التي تعتمل في نفس الكاتب، المتحفِّزة للظُّهور والوصول إلى قلوب الناس المنحرفين عن

(1) الدكتور بدوي طبانة، قضايا النقد الأدبي، دار المرِّيخ للنشر، الرياض، سنة 1404هـ/1984م، ص: 135. لمزيد معرفة حقيقة الوضوح والغموض في الأدب ينظر المرجع السابق، ص: 117 - 142. والمؤلِّف نفسه، التيارات المعاصرة في النقد الأدبي، دار الثقافة، بيروت، لبنان، سنة 1405هـ/1985م. ص: 438 - 445. ود. عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر … ص: 187 - 194. وإبراهيم رمَّاني، الغموض في الشعر العربي الحديث، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر سنة 1991م.

(2) باعزيز بن عمر، " لا بمنجم"، جريدة البصائر الثانية، ع:86 (11/ 07/1949م).

٣٢٥ / ٤٩٤