السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٢٦

سواء الفطرة، والراغبة في بلوغ هدفها، وهو إشعار المتلقِّين بضرورة التصدِّي لهذا السلوك المشين.

وقد كان النص خاليًا من اللغة الإيحائية إلاَّ ما رسمته عبارة (فكلمتكم هي العليا) من ظلال، وقد حرص الكاتب من خلالها إبراز احتقاره هذا الصنف من الناس، الذين تكون كلمتهم هي العليا في التلاعب بالدين، وسخريته هذه بناها واستلهم فيها قوله تعالى: ﴿ .. وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذينَ كَفَرُوا السفْلَى وَكَلِمَةَ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(1). هنا يكمن سرُّ نجاح الأديب حين يوِّفق بين الرموز اللغوية المنتقاة والتجربة الشعورية ومستوى المخاطبين.

أمَّا "محمود بوزوزو" فيبسِّط لغته؛ ليعبِّر عن فكرة، وهي أنَّ الاستعمار لا يريد الخير للجزائر ولا للمسلمين أبداً، وليقنع الناس بعدم جدوى الاطمئنان لأقواله ووعوده، وليكشف عن التناقض السافر بين الأقوال والأفعال. فبعد أن يشير إلى ما ذكره رئيس الجمهورية الفرنسية؛ وهو أنَّ فرنسا بلد حقوق الإنسان. يتندَّر بهذه المقولة، وينكَّت بهذا البلد ويعرِّض به مسجِّلاً بأنَّ جهازه الأمني والشرطة الفرنسية بخاصة تحرص على إقامة الدليل على صدق الخطيب: "وتبيِّن للعالم بالمحسوس الملموس أنَّ حقوق الإنسان في أمن وسلام تحت حماية السلطة الفرنسية وأنَّ الإنسان يمرَح في نعيم مقيم، في ظلِّ الاستعمار الفرنسي. فالجهاز الفرنسي في الجزائر لا يألو جهداً في هذا السبيل، فهو في حركة مستمرَّة، ساهرٌ على حفظ هذه الحقوق سهر الأمِّ الحنون على ولدها العزيز، ومن أجل ذلك يقوم بعمليَّات واسعة النطاق في القطر الجزائري لقمع الشعب، الذي بلغ تعلُّقه بحقوق الإنسان درجة خطيرة جداًّ على هذه الحقوق … "(2).

عمد الكاتب إلى اللغة البسيطة ليبرز للناس ما يجوب بداخله بكلِّ وضوح. كما كانت له هذه اللغة البسيطة عونًا على تبسيط فكرته عن حقيقة الاستعمار ونواياه واستراتيجيته في الجزائر.

(1) سورة التوبة، الآية: 40.

(2) محمود بوزوزو، "قمع فظيع وغضبة مقدَّسة "، جريدة المنار، ع:11 (14/ 11/1952م).

٣٢٦ / ٤٩٤