السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٢٧

وقد لجأ محمد البشير الإبراهيمي إلى اللغة نفسها ليكشف عن حقيقة الاستعمار أيضًا؛ لأنَّ ما يقوم به العدوُّ من تمويه وتغليط، وإخفاء دسائسه ومؤامراته، وغفلة الناس وعجزهم أحيانًا عن اكتشاف ذلك … يفرض على الأديب انتقاء لغة سهلة واضحة، بعيدة عن الزخرفة، بسيطة في تقنياتها، حتى لا تحجب المعاني.

قال الكاتب عن الحكومة الفرنسية وتعاملها مع القضايا الإسلامية بمختلف وجوهها: " … إنَّما هذه نهاية طور من أطوارها الغريبة التي صاحبتها العقلية الفرنسية، منذ كان الاستعمار في الجزائر، وقد تعوَّدنا من هذه العقلية المذبذبة بين الدين والإلحاد، الملفَّحة بجراثيم اليهودية والمادية، أنَّها كلَّما عرضت لقضية الدين الإسلامي في الجزائر جالت بها في مثل هذه المجالات الملتبسة وعالجتها بنصوص، لا يعرف فيها عموم من خصوص، وتركت القضية دائرة والعقول معها حائرة، ولكنَّها لم تحشد لها مرَّة من المرَّات مثل هذه الحشد"(1).

يعرِّض الكاتب بالحكومة التي تجتهد في ضرب الإسلام بأية وسيلة، فيصوِّرها مضطربة في مواقفها، متذبذبة بين الإلحاد والدين، ومتنقِّلة بين مختلف المحطَّات وسائرة في مختلف المجالات، مجرِّبة كلَّ الوسائل وكل الطرق، ومُقترحةً مجموعة من النصوص ومصدرة مجموعة من القوانين والمراسيم، متخبِّطة خبط عشواء، كالذي أصابه مسٌّ من الشيطان.

يختار لهذا التبسيط والتصوير لغة بسيطة واضحة، حتى يفرغ ما في قلبه من حسرات وكمد من تعسُّفات المستعمر، وينقل الشعور إلى غيره …

من هذه النماذج نقف على أحد أسباب نجاح الأديب في رسالته، وذلك حين يوفِّق بين الرموز اللغوية المنتقاة والتجربة الشعورية ومراعاة مقام المخاطبين ومستواهم. وربَّما تمثَّل الأدباء فكرة بعض النُّقاد: أن لا سبيل إلى التأثير في الغير والكشف عن المشاعر والأحاسيس ونقل الأفكار والآراء "إلاَّ أن تسفر العبارة عن

(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 273.

٣٢٧ / ٤٩٤