السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢٨معانيها، وتكشف الألفاظ عن حقيقة كلِّ ما يراد منها، فلا يتكلَّف القرَّاء أو المستمعون شيئًا من الجهد أو العناء في تأمُّل ما يقرؤون وما يسمعون، حتى يصلوا إلى ما يريد الأدباء تأديته من الآراء أو الأفكار أو المعاني. فلا يقدِّمون إليهم إلاَّ ما يرون أنَّهم يطيقون إدراكه من المعاني الواضحة المؤدَّاة في أسهل عبارة وأيسر ما يستطيعون من وسائل الأداء"(1).
وقد وجدنا في النصوص التي عرضناها سمات ممَّا يتطلَّبه الفن والأدب من الخيال والتعبير غير المباشر والإيحاء … ولو كانت قليلة، وهو ما يضمن لها البقاء في دائرة الفنِّ مستجيبة لرأي النُّقاد، الذي يقول: إنَّ "السهولة المحبَّبة هي سهولة الجمال التي يستشعرها القرَّاء المثقَّفون أو القرَّاء المتأدِّبون، وليست سهولة الابتذال التي ترضي الجهَّال، ويطرب لها عوام الناس"(2).
لا نعني بهذه الملاحظة أنَّ البساطة والسهولة والوضوح توصل دائمًا إلى تحقيق الهدف، أو تُبقي دائمًا على حظوظ النص من الفنية والأدبية. بل هناك نصوص كان الوضوح والبساطة والتقريرية وبالاً عليها وعلى الأدب؛ لإسرافها في الوضوح والتصريح، مما أفقد هذه النصوص متعتها الفنية؛ لأنَّ السحر الفنِّي يكمن في الخفاء، وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك في الفصول السابقة من هذا البحث. غير أنَّ هناك نصوصًا ابتعدت قليلاً عن الوضوح، وتعمَّدت إخفاء المعاني، لتمنح المتلقِّي فرصة التأمُّل والاستكشاف، وهو ما نشير إليه فيما يأتي:
2 ـ التكثيف:
يحاول الأديب بواسطة تكثيف لغته اعتصار طاقاتها التعبيرية، وشحنها بمجموعة من المعاني والدلالات النفسية والامتدادات الشعورية، وذلك بدافع عوامل
(1) قضايا النقد الأدبي، ص: 120. ممَّن يرى هذا الرأي ابن سنان الخفاجي في كتابه "سرُّ الفصاحة "، وأناتول فرانس ANATOL FRANCE، ينظر المرجع نفسه، ص: 120، 121. إلاَّ أنَّ هذا الرأي لم يسلم من النقد. ينظر رأي العقَّاد، المرجع نفسه، ص: 135.
(2) م. س، ص: 137.