السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢٩نفسية خاصة تحيط به، ولغاية فنية تتناسب مع طبيعة الفنَّان الذي يرغب في التلميح والرمز والإيحاء، والتستُّر وراء رموز لغوية وإيماءات وإشارات، تنوب عنه في الإثارة، وإيجاد المتعة الفنية …
الأدب الجزائري الساخر لم يخلُ من هذا العنصر الذي هو من متطلَّبات الفنِّ والأدب. نحاول الإشارة إلى بعض الاستعمالات؛ لنسجِّل وجود هذه الخاصية فيه.
لفظة "البركة" التي تحمل معنى النَّماء والزيادة، وتتضمَّن دلالة الدعاء بالمزيد من الشيء المتحصَّل عليه. هذه لفظة عادية، لكنَّها حين توظَّف في سياق من دلالات نفسية معيَّنة مشحونة بعاطفة وشعور بالألم والحسرة، وحين توضع في إطار من الهزء والتهكم من تصرُّفات، لا تتماشى مع الفطرة والمنطق، ومع ما يحمله الساخر من أفكار تتنافى مع مشاربه ونزعاته … تتكثَّف فيها المعاني والمشاعر، وتتزاحم أمام المتلقِّي؛ لأنَّه يشعر أنَّ الأديب إنَّما نقل إليه مشاعره الكثيرة بواسطة هذه اللفظة؛ رامزاً ومُلمِّحًا وموحيًا، لذلك فهو يمتح هذه الكلمة ويسبر غورها؛ ليقف على دلالاتها النفسية والفكرية … هذه اللفظة "البركة" تردَّدت كثيراً في كتابات الأدباء الجزائريِّين الساخرين؛ لتعبِّر عن نفاذ صبرهم من الانحرافات الكثيرة الحاصلة في الحياة العامة(1).
نكتفي هنا بمثال واحد لمحمد البشير الإبراهيمي، يشير فيه إلى أفعال "عبد الحيِّ الكتَّاني" الذي كان يسخِّره الاستعمار لقضاء مآربه، وضرب الإسلام والمسلمين. وقد لجأ إلى لفظة "البركة" ليبيِّن للناس أنَّ هذا الرجل قادر على تنفيذ كلِّ مخطَّطات الاستعمار والاستجابة لكلِّ ما يقوم به من أعمال تعسُّفية، وما
(1) ينظر على سبيل المثال "محمد السعيد الزاهري"، إني أرى في المنام"، مجلَّة الرسالة، ع: 145، سنة 1936م. وجريدة البرق، ع:3 (21/ 03/1927م). و"إيَّاس"، جريدة وادي ميزاب، ع:79 (20/ 04/1928م) و"سمهري"، جريدة المرصاد، ع: (09/ 12/1932م). والهاشمي التيجاني، جريدة البصائر الثانية، ع: 98 (12/ 12/1949م). ومحمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، ص: 59، 452، 610. وآثار محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص: 108.