السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٣

هذا النقد يساعد على تثبيت المقوِّمات التي تنسجم مع المجتمع، وعلى محاربة الانحرافات الاجتماعية مهما تكن؛ ولهذا عَدَّ بعض الدارسين الفكاهة التي تصطبغ بالسخرية سلاحا "لمجاهدة نقائص المجتمع، وتوجيه الأفراد إلى سلوك اجتماعيٍّ قويم"(1)، وقال أحمد الحوفي: " فنحن حينما نضحك من المقصِّر أو الشاذ المظهر أو صاحب الغفلة أو الشحيح أو المغرور، فإنّما نؤدّبهم بطريق غير مباشر، أي أنَّنا نؤدّي خدمة اجتماعية هامَّة"(2). معنى ذلك أنَّ هذه الوسيلة الأدبية (السخرية) تساعد على تحسيس الرأي العام بالواقع المعيش، وإيقاظ الناس من نومهم وغفلتهم، وزرع الأمل في القلوب، وبثَّ الوعي في النفوس.

وهنا تتجلَّى الوظيفة الاجتماعية السامية للسخرية، ويبدو الدور المهمَّ للسَّاخر الواعي لرسالته في الحياة، التي هي رسالة حضارية شريفة وشاقَّة في آن واحد. وبهذا الوعي يستطيع تقديم صورة للكمال التي يمكن أن يكون عليها الواقع، ويقدر على مقاومة النقائص الموجودة في المجتمع، ومحاربة الاعوجاج والتصلُّب الذي يضرُّ به؛ لأنَّه: "إنسان رقيق الحسِّ، مستوفز الشعور عميق الإدراك لطبائع النفوس وحقائق الوجود والكون، معتزٌّ بحياته، مُنْتَمٍ لمجتمعه، مُحِبٌّ للإنسانية، يمنحها كلَّ اهتمامه"(3).

ومن وظائف السخرية الاجتماعية - التي هي في الوقت نفسه غايات - إشعارُ الإنسان بضرورة تقويم أخلاقه، وإلزامُه بواجب المحافظة على تقاليده وعاداته ومقوِّماته، ومساعدتُه على اكتشاف الصلة الاجتماعية ببقية أفراد مجتمعه، وضرورة توثيقها(4). مع تسجيل أن السخرية تُنبِّه الإنسان إلى كلِّ ذلك تنبيها لطيفا لبقا. وهذه إحدى وظائفها الاجتماعية التربوية، يقول عبَّاس محمود العقَّاد: "وإنَّ أجمل ما نحن كاسبوه من تسليط الضحك على الطبائع هو أن ينبِّهها إلى النقص تنبيه

(1) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 20.

(2) الفكاهة في الأدب، ص: 16.

(3) الاتِّجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 13.

(4) ينظر الفكاهة في مصر، ص: 216، والفكاهة في الأدب العربي، ص: 20، 21.

٣٣ / ٤٩٤