السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٤عطف ورعاية، وأن ننظر منها الجدَّ في معالجتها، بما يقع في الطاقة، ويرجى منه التحسُّن في ناحية أخرى من النفس"(1).
ومن الوظائف المهمَّة التي سجَّلها الدارسون للسخرية سعيُها لتنبيه الإنسان إلى حقِّه الضائع، إذ تقوم بطريقة ذكية وخفية بإثارة مشاعره وعواطفه نحو وطنه وحريته، وكلِّ ما يتعلَّق بشخصيّته … فينهضُ بعد تنبيه السخرية له بالعمل على استرجاع هذه الحقوق المسلوبة منه بكلِّ حماسة، وبمختلف الوسائل. ولهذا قيل: " إنَّ هذه السخرات لفتاتٌ مستمرَّة تنبِّه الأذهان إلى الحقِّ الضائع، وتجدِّد مشاعر الكراهية للمستعمرين، وتذكي نار الوطنية المقدَّسة، فلا يضعف لهيبها، وإن بدا خافتا، فلا يخبو نورها رغم إرادة أعداء الحرية والنور"(2).
وتقوم السخرية بوظيفة تربوية مهمَّة أيضا، وهي مساعدة الإنسان على تثقيف نفسه وتقوية مخيِّلته(3)، وذلك بتمرين ذهنه على التفكير السليم، وتدريبه على توخِّي المنطق السديد. يبدو ذلك في الملاحظة التي تبديها السخرية حين تشير إلى خلل في القياس المنطقي، كما تصنع النكتة الساخرة التي مردُّها كما يرى عبد العزيز البشري: " إلى خلل في القياس بإهدار إحدى مقدِّماته، أو تزييفها أو بوصلها بحكم التورية ونحوها بما لا تتَّصل به في حكم المنطق المستقيم، فتخرج النتيجة على غير ما يؤدِّي إليه العقل لو استقامت مقدِّمات القياس"(4). هكذا تقوم النكتة الساخرة بوظيفة تهذيب العقل وتقويم التفكير. وهذا يندرج ضمن عملية التثقيف وتكوين الذوق وتنمية الحس الجمالي في النَّفس، وبهذا يحسُّ الإنسان بضرورة إتقان عمله وأداء واجبه كما ينبغي.
ومن جملة ما يدخل في دائرة التثقيف وتنمية الجمالية في النفس تقليلُ الصلابة
(1) ساعات بين الكتب، ص: 216. ينظر أيضا ص: 221.
(2) السخرية في أدب المازني، ص: 100.
(3) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 20.
(4) ساعات بين الكتب، ص: 216.