السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣١لفظة "تبشِّر" للسخرية من بعض صور الانحراف. فأبو اليقظان مثلاً يسخر من الغرب الذي يريد الهيمنة على الشرق، ويخبره بأنَّ عهد السيطرة والطغيان قد ولَّى، وعصر استلاب الشرق والتغرير به قد تراجع، فالشرق قد أفاق من نومه، واستفاق من غفلته، ولم يعد لقمة سائغة، ولا صيداً مهيّأً … "فلتبشر أوروبا جمعاء وخصوصًا إيطاليا وألمانيا بأنَّ شرق اليوم غير شرق الأمس، وأنَّ زمان استبلاه الشرق قد فات" …(1).
لفظة "تبشِّر" الساخرة أفادت المتلقِّي معاني كثيرة، فقد نقلت مشاعر تذمُّر الكاتب وسخطه من العدوِّ واحتقاره المستعمر، وإيماءته إلى المسلمين كي يسترجعوا الثقة في أنفسهم وفي إمكاناتهم للتصدِّي للعدوِّ وممارساته. وفي ذلك استنهاض للهمم، وشحذ للعزائم؛ لإبعاد ما يدبِّره الغرب للشَّرق: من استلاب وتغرير ما زالا قائمين؛ لأنَّ الواقع لا يؤيِّد الكاتب فيما ذَهبَ إليه، فشرق اليوم ما يزال شرق الأمس (في تلك الفترة) إلاَّ أنَّ الكاتب يؤمن إيمانا عميقًا "بيقظة الشرق وتحدِّيه لأوروبا الاستعمارية، وأنَّ الغلبة في النهاية له مهما مارست القوى الاستعمارية من ضغوط عليه"(2). وبفضل التكثيف حصلنا على امتدادات شعورية، ودفقات نفسية، وإضاءات فكرية، ومعان كثيرة. ولكنَّها تشي بالتهكُّم بالغرب الذي يزعم أنَّه أحكم قبضته على الشرق.
أمَّا محمد السعيد الزاهري فيتوعَّد خصومه من كتَّاب جريدة البلاغ وأتباع الطريقة العليوية، الذين انحرفوا عن جادَّة الإسلام، وناوؤُوا المصلحين في نشاطهم، واشتغلوا بتتبُّع عورات العلماء والمصلحين، وانشغلوا أو عموا عن معايبهم، يقول الكاتب: "هل عميتِ أيَّتها البلاغ عن معائب قومك؟ أم كثرت عليك حتى لم تستطيعي لها إحصاء ولا عدًّا، فتركت الاشتغال بترك المخازي العليوية، وأبشِّرك بأنِّي سأشتغل بكشف الستر عن شيخك العليوي" …(3).
"أبشِّرك" كشفت عن الغضب العارم الذي استبدَّ بالكاتب، وعن الشرِّ الذي يبيِّته لهؤلاء المناوئين، وقد تأكَّد ذلك من قوله في نهاية المقال: "وما دمت لم أترجم له ترجمة تليق به، فليس لمثابي عن الكتابة من سبيل"(4).
كما أبانت " أبشِّرك" عن المعارك العنيفة التي كانت بينه وبين خصومه من العليويّين وأفصحت عن تذمُّر الكاتب من تصرُّفاتهم، وعن احتقاره الشديد لهم. وما
(1) المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 395. المقال بعنوان "ماذا يخبئ الغرب للشَّرق". نشر في جريدة "وادي ميزاب "، ع:18 (28/ 01/1927م).
(2) م. س، ص: 394، 395.
(3) تأبط شرًّا، جريدة البرق، ع:15 (20/ 06/1927م).
(4) م. ن.