السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٣٢

يدعِّم ذلك ويكشف عن السخرية في هذا التوظيف استلهام الكاتب استعمال القرآن هذه الكلمة "بشر" في حديثه عن المشركين، الذين يستكبرون عن آيات الله، ويعرضون حين سماعهم لها. إذ جاءت بشارة القرآن لهم آية في السخرية والتهكم اللذين يليقان بتصرُّفاتهم وسلوكهم(1) كما جاء نذير الكاتب لهم في صورة بشارة محقِّرة وساخرة. هذه التأويلات والاستنتاجات وغيرها وفَّرها عنصر التكثيف.

أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فيسخر من النُّواب المسلمين في المجلس الجزائري، الذين وصلوا إلى هذا المجلس بطريقة ملتوية، ويكشف لهم عن احتقاره لهم، وفي الوقت نفسه يلمِّح ويومئ إلى التعسُّف والتجاوزات التي تحدث في الانتخابات التي توصل إلى المجلس، ويوحي إلى الوطنيِّين والناس بعدم الاعتراف بهؤلاء النُّواب … كلُّ هذه المعاني والمشاعر التي أراد الكاتب الإفصاح عنها ضمَّنها عبارته "فأبشروا": … "ومادامت الانتخابات بالعصيِّ فأبشروا بطول البقاء في هذه الكراسي"(2).

هذه العبارة الساخرة الهازئة تذكِّرنا بسخرية جرير من الفرزدق حين قال له:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشِرْ بطول سلامة يا مربع(3)

مع تحويرٍ بسيط يتناسب والدلالة التي أرادها الكاتب، تعبِّر عن مقته لهؤلاء الناس (النُّواب) المنحرفين. أي إنَّ مكثهم مع الانحراف يطول ما دام الشذوذ يطبع كلَّ التصرفات والتحرُّكات …

من الألفاظ التي بدا فيها عنصر التكثيف جليًّا حين وضعت في سياق من الإشراقات النفسية والمشاعر المحتدمة، الكاشفة عن التذمُّر والحسرة والألم، من هذه

(1) قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذْنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ اَلِيمٍ﴾ سورة لقمان، الآية: 7. وقال: ﴿يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ اَلِيمٍ﴾ سورة الجاثية، الآية: 8. ينظر أيضا معجم الألفاظ والأعلام القرآنية، ج1، ص: 68، 69.

(2) عيون البصائر، ص: 188. المقال بعنوان "كتاب مفتوح إلى الأعضاء المسلمين بالمجلس الجزائري"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:33 (26/ 04/1948م).

(3) شرح ديوان جرير، ص: 424. ينظر استعمال هذه اللفظة محمد العيد، ديوانه، ص: 188، وصالح خبَّاشه، الروابي الحمر، ص: 156.

٣٣٢ / ٤٩٤