السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٤الإبراهيمي بخاصَّة(1) غير أنَّ هذا الأسلوب ليس مأمون العاقبة. إذ قد يؤدِّي أحيانا إلى التكلُّف، والإسفاف في التعبير، والعجز عن الإفصاح عن المكنون …
كتب "سمهري" ساخرًا من مصطفى العليوي الطرقي، ومعرِّضًا به، وبالمكانة العظيمة التي أحلَّها فيها أتباعه (وهو لا يستحقُّها)، صوَّر حالته وهو يستمع إلى أحد أتباعه يمدحه، ويعدِّد أنواع الأذى الذي لحقه من خصومه وحسَّاده، صوَّره وهو متأثِّر بتلك الكلمات: … "ولما سمع العليوي هذه الكلمات الأخيرة بكى وزَهَقَ وشَهَقَ ونَهَقَ وشَخَرَ ونَخَرَ، وأغمي عليه" …(2).
يستجيب الكاتب لمشاعره المحتدمة ولانفعالاته الشديدة فيطلق العنان لقلمه كي يخطَّ كلمات، تستدعي الواحدة منها الأخرى، لتنتظم في خطٍّ شعوري واحد، تنسق بينها السخريةُ من العليوي المبتدع في الدين. وقد كان للموسيقى حظُّ كبير في هذه الكلمات، التي تكرَّرت فيها الحروف والأصوات، فأحدث ذلك إيقاعًا خاصًّا؛ (الهاء) تكرَّرت ثلاث مرَّات، (القاف) ثلاث مرَّات، (الراء) مرَّتين، (الخاء) مرَّتين.
كما عبَّرت هذه الحروف عن حالة الكاتب النفسية. فـ (الهاء) حرف حلقي يخرج من أقصى الحلق، يشير به الكاتب إلى الغصَّة التي يشعر بها؛ بسبب تصرُّفات هذا الشيخ، وقريب من (الهاء) حرف (الخاء) الذي يخرج من أدنى الحلق، ثم يأتي (القاف) الذي مخرجه الحنك، وهو باطن الفم، ثم يتقدَّم الكاتب بتوظيف هذه الأصوات، ونقل هذه الغصَّة ليضعها في ظهر اللسان وهو ينطق بحرف (الراء) … وكأنَّه عمد في هذا التوليد إلى إخراج هذه الغصَّة بالتدريج مستغلاً صفات هذه الحروف ودلالاتها، مترنِّمًا بترديدها وتكريرها.
(1) ينظر أمثلة عن ذلك عيون البصائر، ص: 65، 92، 119، 455، 594. ومقالات سجع الكهَّان، ص: 587 وما بعدها، و ص: 607 … وجريدة البصائر الثانية، ع:41 (28/ 06/1948م). وجريدة الشعلة ع:24 (25/ 03/1950م). المقال بعنوان "قرد الميلية"، وهو دون إمضاء.
(2) "سمهري"، "الفرطاس في الخلوة "،جريدة المرصاد، ع:36 (09/ 12/1932م).