السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥هذه التركيبة الفنية كانت مزيجا بين مخارج عديدة، بدأت بالحلقي وانتهت باللساني. بالإضافة إلى الجمع بين صفات أصوات كثيرة: الشدَّة والرخاوة، الهمس والجهر، والانخفاض والاستعلاء، الانفجار … فالجمع بين تلك المخارج والصفات المتقابلة، وما تولَّد عن ذلك من تكرُّر نبرات متشابهة من خلال حركة (الفتحة) التي عمَّت أغلب حروف النص. والفتحة صوت ليِّن قصير، يسمع بوضوح من مسافة بعيدة(1). كلُّ ذلك أكسب النص جمالاً ومتعة فنية، وأعان على توضيح ما أراد الكاتب إبرازه والكشف عنه وهذا بفضل التوليد والتلاعب بالألفاظ.
غير أنِّي أسجِّل على النص ضعفًا، يبدو فيما يأتي:
1 - التدرُّج في توليد الكلمات والتلاعب بالألفاظ بدا فيهما الضعف؛ بسبب التكلُّف في ذلك؛ إذ لم يكن التدرُّج في هذا التوليد متناميًا بل كان متذبذبًا في دلالاته ومعانيه فالبداية بعد البكاء كانت بـ (زَهَقَ) التي تعني أنَّ الشخص قد انتهى لأنَّ زُهوقَ النفس يعني هلاكها، وخروجها من الجسم، بعد الزهوق يأتي الشهيق وهو بكاء الرجل في صدره ليتدعَّم بالشخير، الذي هو صوت ينطلق من الحلق أو الأنف، ويتأكَّد بالنَّخير، وهو مدُّ الصوت في الخياشيم … هذا الاضطراب في وصف حالة المسخور منه مسَّ من القيمة المعنوية للنص، وهو عيبٌ يؤخذ على الكاتب.
2 - اللجوء إلى الترادف المعنوي بدون مبرِّر، لم يكن ذلك إلاَّ للاستجابة للعاطفة الجيَّاشة والرغبة في إيجاد موسيقى داخلية، تسمحان باختيار الأسلوب المناسب، ولغة التعبير الملائمة. لذلك فإن التوليد قد نجح موسيقيًا ولحقه بعض الضعف معنويًّا.
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فكتب ساخرًا من بعض الذين قصدوا بيت الله الحرام للحجِّ، وقد كانوا حجَّاجًا شكلاً، لكنَّهم كانوا بعيدين عن صفات الحجَّاج. سجَّل الكاتب هذه الملاحظة تعليقًا على قصيدة لمحمد العيد، كان هنَّأ بها
(1) وهو أوضح من الضمَّة والكسرة. ينظر الدكتور إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، ط5، نشر مكتبة الأنجلو مصرية، سنة 1975م، ص: 27.