السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٦حجَّاج بيت الله: "وليس كلُّ الحجَّاج يستحقون هذه التهنئة، ففيهم من حجَّ زورًا، وعمل مُنْزَوِرا، ورجع موزورا، وأهدى بدنه، فكأنما قرَّب زرزورا … "(1).
رغبة الكاتب في السخرية والتهكم جعلته يلجأ إلى طريقة التلاعب بالألفاظ، ليولِّد من ذلك معاني بحسب الألفاظ (المولَّدة أو المستدعاة) التي توفَّر عليها نصُّه، فالحجُّ كان من البعض (زورًا)، ليس فيه صدى الإيمان ولذلك كان في هذا العمل انحراف واعوجاج، ليست فيه استقامة (منزورًا)، وكان من أدلَّة هذا الانحراف البخل في الإنفاق، والتقتير في الهدي، فبدل تقديم ناقة، كان الهدي (زرزورًا)، ولذا فعوض أن يرجع الحاج مأجورًا، قفل إلى بلده (موزورًا).
هذا التوليد صاحبته موسيقى داخلية أوجدها الكاتب من المزج بين الأصوات. فقد زاوج بين حرفي (الراء والزاي) اللسانيَّين، المتَّصفين بصفة الجهر، كما قابل في الكلمات بين الشدَّة والرخاوة: الراء الشديدة الذلقة والزاي الرخوة الصامتة، توسطَّهما حرف اللين (الواو) وبذلك يضيق مجرى النفس ثم يتَّسع وينطلق دون أن يكون أمامه حائل أو مانع، ثمَّ ينحبس الهواء قليلاً، ثم ينطلق … تتكرَّر العملية مرَّات مع عدد الكلمات المولَّدة. ومن هنا يحدث حفيف وصفير كصفير الطائر. يعبِّر عن هذا الزفير الذي يرسله الكاتب حسرة من سلوك الناس وانحرافهم، ويكشف عن الضيق والقلق، الذي سبَّبه هذا السلوك. ضيقٌ حاول الكاتب التخلُّص منه، لكنَّه تعثَّر ثمَّ انطلق، مثل ما يحدث للهواء أثناء الكلام، الذي يخضع للرَّخاوة والشدَّة والجهر والذلاقة والصمت. التلاعب بالألفاظ والتوليد أضفيا على النص مسحة من السخرية بالإضافة إلى السجع والموسيقى الداخلية.
ويكون التنفيس عن النفس، وإزالة ما بها من غيظ، دافعًا للُّجوء إلى أسلوب التلاعب بالألفاظ، الذي تفرغ بواسطته أحاسيس ومعان، تحمل السخرية والتهكم بالمعنيِّ وبالمشار إليه.
(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص: 214. المقال بعنوان "نفحات من الشعر الجزائري الحديث". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:94 (07/ 11/1949م).