السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٧يشتدُّ الغضب بالبشير الإبراهيمي على الحكومة الفرنسية المتحكِّمة في مصير الجزائريِّين، ويتذمَّر من تصرُّفاتها التعسفية، التي ليس لها حدود(1)، فيكتب مطلقا العنان لقلمه يدبِّجُ كلامًا، قوامه كلمات مشتقَّة من اسم (الحكومة)، يسلب من خلالها من الحكومة كلَّ المعاني الحسنة، وينسب إليها كلَّ معاني الضعة والسفالة والانحطاط، في وصف ساخر هازئ: "وإذا قلنا (الحكومة) فإنَّنا لا نعني رجالاً يحملون ألقابًا عالية، ويقتعدون مناصب رفيعة، ويذهب الواحد منهم فيخلفه آخر، وإنَّما نعني هذا الجهاز الاستعماري الثابت المقيم، الذي لا يبرح من موظَّفين صغار ومعمِّرين كبار. فهؤلاء في الجزائر هم الحكام وهم الحكومة وهم الحكم، وهم كلُّ ما يتصرَّف من هذه المادة، لا نستثني إلاَّ المحكوم والحكمة والحكيم، فليس فيهم محكوم. بل كلُّ واحد منهم جبَّار في الأرض، وليس في أعمالهم حكمة، وإنَّما هي ظلم، تمدُّه قوة، يمدُّها استعلاء، تمدُّه عنصرية رعناء"(2).
ما يصدر من الحكومة هو الجور والظلم، وما يأتيه الحكام هو الباطل، وما يصدره الحَكَمُ الخصم هو الحيف والقسوط. وكلُّ ما يتصرف من اسم الحكومة لا يخرج عن هذه المعاني بل إنَّ التعسُّف يتسلسل في أعمالهم، كما أشار الكاتب إلى ذلك في آخر النص وفي بقية المقال. بينما الحكمة بعيدة عن سلوكهم.
اشتقاق الألفاظ الذي ولَّد معاني ذات دلالات نفسية خاصة، كان طريفًا، وقد حمل سخرية الكاتب من الحكومة الاستعمارية. إلاَّ أنَّ هذه السخرية كانت بسيطة، وكان التكلُّف في هذا التلاعب بالألفاظ غير خفيٍّ. المهمُّ أن الكاتب كان يهدف إلى التهكم، وإلى إفراغ ما في نفسه من كمد وحسرة. هذه خاصية في أدب الإبراهيمي الذي يميل إلى الإطناب أحيانًا، ويشغف بالاشتقاق والتوليد
(1) خاصَّة بعد أن كشف أحد أعضاء البرلمان الجزائري عن مؤامرة كبيرة، وحملة واسعة النطاق للقضاء على الوجود الإسلامي في الجزائر، وقد صدّقت ذلك حوادث وقعت في بعض المدن الجزائرية، لم تحرِّك الحكومة ساكنًا لمعاقبة مرتكبي الجرائم.
(2) عيون البصائر، ص: 411، 412. المقال تحت عنوان: "ويحهم أهي حملة حربية"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:146 (12/ 03/1950م).