السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨والتلاعب بالألفاظ. ومن خلال ذلك يسعى إلى تبليغ أفكاره ومشاعره، فهو "يستثمر أحيانًا المادَّة اللغوية، فيشتقُّ منها اسمين فأكثر لاستقصاء المعنى المراد، إذ لو ذكر مشتقًّا واحداً لما تمَّت الفكرة، ولبقيت ناقصة"(1).
قد لا يشبعنا الكاتب ضحكًا وسخرية، لأنَّ التهكُّم ليس عميقًا في هذه النصوص، إلاَّ أنَّنا نحسُّ من خلال هذه السخرية الخفيفة مرارة وألماً وحزنًا تعصر قلب الكاتب، أراد التغلُّب عليها بأية وسيلة ممكنة، وبما يمليه عليه ظرفه، ومؤهِّلاته الآنية، وبما يحمله من إمكانات الاستخفاف والتعالي الساخر على المعنيِّ والمستهدف. فاستجابت له أدواته الفنية، وهدته إلى أسلوب توليد المعاني، عن طريق التلاعب بالألفاظ، الذي هو مولع به كثيرًا. وقد رأى في هذه الطريقة نيلاً من الخصم وتأكيد معاني السخرية، وهنا نلمس أثر الثقافة البيانيَّة في كتابته(2).
لم تكن لغة الشعر الجزائري الساخر ببعيدة عن لغة النَّثر في الخصائص المذكورة آنفًا؛ لذا نحاول الإشارة إليها إشارة عابرة استكمالاً للجوانب المتعلِّقة بالموضوع فقط.
غلب على كثير من النصوص طابع المباشرة والوضوح والسهولة؛ للعوامل التي ذكرناها سابقاً(3). فرمضان حمُّود يعرض علينا سخطه على الجامدين فكريًّا، فيهجوهم هجاءً ساخرًا، كاشفًا عن حقيقتهم. وذلك بلغة خالية من التصوير، وبعيدة عن التعقيد اللغوي والمعنوي في الوقت نفسه. يقول:
فمن أراد أن يحيا على الناس مشرفا … ومنعزلاً عنهم يحبُّ التصوُّفا
يقدِّم رجلاً، ثم يدبر عشرة … وإن سمع الأقدام زاد توقُّفا
(1) عبد الحميد بوزوينة، بناء الأسلوب في المقالة عند الإبراهيمي (دراسة وصفية تحليلية فنية)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، سنة 1988م، ص: 61. ينظر أيضا ص: 25.
(2) ممَّن يميل إلى طريقة التلاعب بالألفاظ مفدي زكريَّاء. ينظر مثلاً مقاله "إلى البلبل الزعلان"، جريدة الأمَّة، ع:101 (08/ 12/1936م).
(3) ينظر ص: من هذا البحث.