السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٤٢الذي يملك من المؤهِّلات الفنية والشعورية ما يعينه على بثِّ القوَّة ألفاظه، بقدرٍ يناسب قوَّة المعارك التي تخاض مع الخصم العتيد، مثل مفدي زكريَّاء الذي يؤمن بالقوَّة فضيلة تحقِّق المجد، وتتصدَّى للظُّلم، وتتحدَّى الموت، ويراها "وسيلة لغاية شريفة هي الحرية في أسمى معانيها، حرية الاعتقاد، حرية الانتقاد، حرية الفكر، حرية القول، حرية السكون وحرية الحركة" …(1).
كتب بهذه الخاصية معظم قصائده، الثورية منها والمناهضة لكلِّ انحراف بخاصة، لمَّا أقدم العدوُّ الفرنسي على تصعيد أعماله التعسفية ضدَّ الوطنيِّين الجزائريِّين: سجنا ونفيًا وتقتيلاً وتنكيلاً، وحين نفَّذ حكم الإعلام على "أحمد زبانة"(2) منذراً الوطنيِّين بعاقبة التمادي في عمليَّات ”التمرُّد“ على فرنسا، منبّهًا إلى الكفّ عن هذه الممارسات وعن الكفاح، كتب مفدي زكريّاء مجيبا فرنسا، ومعقّبًا على اطروحاتها، مستهزئًا بها وساخرًا متهكما:
يا فرنسا امطري حديدًا ونارًا … واملئي الأرض والسماء جنودا
واضرميها عرض البلاد شعاليـ … ـل، فتغدو لها الضعاف وقودا
واستشيطي على العروبة غيظًا … واملئي الشرق والهلال وعيدا
سوف لا يعدم الهلال صلاح الدْ … دِين، واستصرخي الصليب الحقودا
واحشري في غياهب السجن شعبًا … سيم خسفًا، فعاد شعبًا عنيدا
واجعلي بربروس في خياشم الفلك الدوْ … وَار حبلاً، وأوثقي منه جيدا
عطّلي سنّة الإله كما عطْ … طلت من قبل "هوشيمن" المريدا(3)
حشد الشاعر في ألفاظه كلَّ ما يملكه من طاقات تصويرية لإبراز مشاعره، التي تحمل سخرية وتهكما من العدوِّ، الذي يزعم أنَّه يملك من القوَّة والبأس ما يمكِّنه
(1) أحمد رحماني، " لغة القوَّة في شعر مفدي زكريَّاء " الحلقة الثانية، مجلَّة الضاد" (قسنطينة)،ع: 8 - 9، ديسمبر/ جانفي، 1984م، ص: 14.
(2) أوَّل شهيد دشَّن المقصلة وذلك يوم 18 جويلية 1956، خلافًا لما جاء في اللهب المقدَّس ص: 9، سنة 1955. ينظر محمد ناصر الشعر الجزائري الحديث … ص: 322.
(3) اللهب المقدَّس، ص:17، 18.