السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٤٣من القضاء على جذوة الثورة وحرارة الجهاد والنِّضال. هذه القوة تتجلَّى في أفعال الأمر المتلاحقة المدوية، والمتدفِّقة تدفُّق مشاعر الشاعر التي ليس لها توقُّف ولا نهاية. هذه الأوامر التي تحمل سمات التهديد لخروجها عن مقتضى الظاهر بلاغيًّا، والأمر يفترض أن يكون صادرًا من الأعلى إلى الأدنى (هكذا كان يدَّعي الاستعمار أنَّه الأعلى وغيره هو الأسفل) لكنَّ الأمر هنا صدر من الشاعر إلى السلطة الحاكمة. الألفاظ القوية التي نجدها في النص هي: (امطري، حديدًا، جنودًا، اِضرميها، شعاليل، وقودًا، استشيطي، غيظًا، وعيدًا، أحشري، أوثقي، المريدا … ).
والقوَّة تبرز أيضًا في اللجوء إلى حروف اللين (واو، ياء، ألف) والحركات (الفتحة، الضمَّة، الكسرة) وحروف اللين من طبيعتها أنَّها تساعد على بثِّ المشاعر بطلاقة وحرية؛ لأنَّ الصفة التي تتَّصف بها هي: "أنَّه عند النُّطق بها يندفع الهواء من الرئتين مارًّا بالحنجرة، ثم يتَّخذ مجراه في الحلق والفم في ممرٍّ ليس فيه حوائل تعترضه" …(1) كما أنَّ نسبه حركة الفتحة - وهو صوت لين قصير- في النص عالية بالمقارنة مع الضمة والكسرة، وهو ما أعان على تبليغ المشاعر بوضوح. والفتحة تسمع من مسافة أبعد بكثير، وهي أوضح من الضمَّة والكسرة(2). إنَّ هذا من تمام القوَّة التي تُنتِج الحرية للقول والإفصاح عن المشاعر. وفي اختيار رويِّ القصيدة دالاً مجهورًا شديدًا انفجاريًّا، يعكس القوَّة التي يحملها النص.
كلُّ هذه المواصفات التي تحمل دلالة القوَّة، عبَّرت عن السخرية والتهكم من فرنسا، بلغة قوية فخمة صاخبة، لا تقبل اللين والرفق بمن لا تسكن قلبه الرحمة. وهي اللغة التي تتماشى مع مدلول الثورة والفداء والدماء.
وبأقلِّ قوَّة، لكن بكثير من السمات التي لحظناها في نصِّ مفدي زكريَّاء كتب صالح خبَّاشة يعيب على فرنسا تصرُّفاتها وممارساتها التعسُّفية وفتكها بالأهالي دون تمييز بين الكبير والصغير، وبين الرجل والمرأة … كتب يسخر منها، ويأمرها