السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٤٤بالمضيِّ في ظلمها وطغيانها. يتهكم بها لأنَّها تظنُّ بأنَّها بذلك ستنتصر على قوَّة إيمان الشعب بقضيَّته، وهو وَهمٌ سيقضي عليها، بل قال لها:
سوقي جيوشك للفنا لا تجزعي … دول (الشمال) على يمينك حاميهْ
لا تقربي الآساد في آجامها … فقطوف هامات الأهالي دانيهْ
لا ترحمي الأيتام في أكواخها … مثل الهياكل، تائهات باكيهْ
لا تهملي تلك الحوامل فابقريـ … ـها، واهتكي ستر الحريم علانيهْ
ولتنهبي كلَّ الذخائر دون أيِّ … تحرُّجٍ، إنَّ الخزائن خاويهْ
دكِّي المنازل، حرِّقي سكَّانها … وإلى دياجير السجون الباقيهْ
إيماننا أرسى من الجبل الأشمْ … مِ، وصخرنا يوهي الرؤوس الباغيهْ(1)
نعثر في النص على هذه الكلمات القوية (سوقي، الفنا، الآساد، فابقريها، اهتكي، دكِّي، حرِّقي، دياجير، صخرنا، يوهي، الجبل الأشمَّ .. ) التي ساقها الشاعر في سياق التهكم المعرِّض، الذي سبَّبه غضب عارم، وقلق كبير على حال الثورة، وضيق من حيف فرنسا وظلمها الذي ليس له حدود.
كما نلحظ قوَّة الألفاظ في هذه الجزالة التي تعطي التراكيب - التي يتكوَّن منها الكلام- متانة وتماسكًا بين أجزائه، والتحامًا بينها وتجربة الشاعر: فحين نستقرئ الحروف أو الأصوات التي بنى بها الشاعر نصَّه، نجدها أصوات اللين، التي تعين على وضوح الفكرة والمعنى، وأصواتًا مهموسة مع قلَّة من الأصوات المجهورة، وأصواتًا رخوة مع قلَّة من الأصوات الشديدة: (القاف) المهموسة الشديدة تكرَّرت ست مرَّات. (الحاء) المهموسة الرخوة تكرَّرت ست مرات. (الهاء) المهموسة الرخوة تكرَّرت تسع مرَّات. (السين) المهموسة الرخوة تكرَّرت سبع مرَّات. (الجيم) المهجورة تكرَّرت ست مرَّات. (الميم) المجهورة تكرَّرت إحدى عشرة مرَّة. إلى غير ذلك من الأصوات التي تجاورت، فتآلفت لتنتج هذه الجزالة، التي تعطي النص قوَّة تعكس قوَّة مشاعر الشاعر.
(1) الروابي الحمر، ص: 73، 74.