السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٤٥

واختيار قافية تنتهي بياء موصولة بهاء السكت، مَنحَ النص سلاسة وسهولة في النطق، وقد توفَّر في هذا الاستعمال تباعد المخرجين (الحلق واللسان) وتقابل الصفتين (الهمس والجهر). هكذا تكون النهاية معبِّرة بإيقاعها، مطربة بجرسها.

خلاصة القول في النص: إنَّه جمع بين صفات مختلفة، تآلفت في سياق من الانسجام؛ لتوجد جوًّا من السخرية بمن يدَّعي الانتصار والقوَّة. كما توفَّر في النص الوضوح دون ركاكة، والعمق دون غموض أو إبهام. وهذا هو معنى الجزالة، كما يراه أبو الهلال العسكري: "أمَّا الجزل والمختار من الكلام فهو الذي تعرفه العامة ولا تستعمله في محاوراتها"(1).

ومن جملة ما أوجد هذه الجزالة هذا الهمس الذي قال عنه محمد مندور: "إنَّ الهمس إحساس بتأثُّر عناصر اللغة، واستخدام تلك العناصر في تحريك النفوس وشفائها ممَّا تجد، وهذا في الغالب لا يكون من الشاعر عن وعي بما يفعل، وإنَّما هي غريزته المستنيرة ما تزال به، حتى يقع على ما يريد"(2).

من كلِّ ما تقدَّم بما وضَّحناه تتكوَّن الرنَّة المدوية، التي تنجذب إليها النفس لتعي حقيقة ما تحمله الكلمات، التي تكشف عن خطورة الوضع، الذي يجب العمل على تغييره؛ لأنَّ الشاعر، بقدر ما يسخر من ادِّعاءات العدوِّ، فهو يعترف بفظاعة الوضع وعسره؛ لذا كان يلمِّح إلى أنَّه يجب على الجزائريِّين مضاعفة النضال، وهو في هذه السخرية الظاهرة، يستنهض الهمم، ويشحذ العزائم بدليل قوله بعد ذلك:

قسماً سنضرمها إلى يوم القيا … مة يا فرنسا أو تتوبي جاثيهْ

إنْ تجنحي للسَّلم نجنح للسَّلا … مِ، ومن تروق له الحروب الداميهْ؟(3)

(1) يحي الشيخ صالح، شعر الثورة عند مفدي زكريَّاء (دراسة فنّية تحليلية)، ط1، دار البعث، قسنطينة، سنة 1987م، ص: 375. نقلاً عن عبد العزيز عتيق، في النقد الأدبي، دار النهضة العربية، بيروت، سنة1972م، ص:152.

(2) محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث … ص: 325. نقلاً عن د. محمد مندور، في الميزان الجديد، نهضة مصر، القاهرة، دون تاريخ، ص: 69. بتصرّف.

(3) الروابي الحمر، ص: 74.

٣٤٥ / ٤٩٤