السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٤٦

هذا هو فعل اللغة القوية الجزلة؛ إلاَّ أنَّ الشاعر صالح خباشة لم يكن متعمِّدًا هذا الانتقاء واختيار ألفاظه بهذا الحسِّ الصوتي، لكن الصدق الفنيَّ والتمرُّس على الكتابة الفنية وامتلاك أدواتها، هي التي وضعت الفنَّان في هذا السبيل وفي هذا يقول محمد مندور: "إنَّ الشاعر القويَّ ليس هو الذي يعتمد في قوَّته على قوَّة الألفاظ، وإنَّما الشاعر هو الذي يهمس فتحسُّ صوته خارجًا من أعماق نفسه في نغمات حارَّة … "(1).

من هذه النماذج يتبيَّن لنا أنَّ الأدباء قد نوَّعوا في لغتهم بين الوضوح والبساطة والتكثيف والقوَّة … غير أنَّ الطابع العام الغالب على لغتهم هو السهولة والوضوح للأسباب التي ذكرناها آنفا. وقد كان الضعف نصيب كثير من النصوص؛ لعدم توفيق أصحابها إلى الملاءمة بين التجربة واختيار الرموز اللغوية المناسبة؛ لأسباب قد يكون منها عدم التحكُّم في المشاعر المضطرمة والانفعالات، وعدم التوفيق إلى اختيار القالب المناسب لها. وقد يكون القصور الفنِّي، لأنَّ السخرية تتطلَّب مستوى أدنى – فنيًّا- لا يمكن النزول عنه. وليس كلُّ الأدباء يملكون هذا المستوى. لكن ما يمكن تسجيله هو: إنَّ هذه اللغة تمكَّنت من بلوغ مراميها في أغلب الأحيان في التعبير والإفصاح عن المشاعر، والتنفيس عن آثارها في الصدور …

ب - الصورة الفنية:

يعدُّ التصوير عنصرًا أساسيًّا في العمل الأدبي الشعري منه والنثري؛ إذ لا يُتصوَّر أدب جميل بدون صور فنية. والإبداع والتجديد والتطوُّر يتجلَّى أكثر ما يتجلَّى في جانب التصوير الفنِّي. كما أنَّ للتَّصوير علاقة وثيقة بالشعور؛ إذ أنَّ الأديب الفنَّان يعمد إلى التصوير ليكشف عن مشاعره وأحاسيسه، وبه يطلع المتلقِّي على عالمه الداخلي ليؤثر فيه نفسيًّا، ومن ثمَّ ينقل إليه العدوى الشعورية؛ ليعيش معه ملابسات الموضوع أو الفكرة أو الشعور، يقول سيِّد قطب عن العمل الأدبي: "إنَّه

(1) محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث … ص: 624.

٣٤٦ / ٤٩٤