السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٤٨كانت تجسِّد مفهوم التصوير في النقد العربي القديم. نماذج من هذا التصوير هو ما نعثر عليه بكثرة في الاتِّجاه المحافظ والاتِّجاه الوجداني في الأدب الجزائري. وهو التصوير السائد في الفترة التي حدَّدناها للدراسة(1) نحاول فيما يأتي ضرب أمثلة لذلك.
رمضان حمُّود يسخر من دعاة التجديد، ويتهكم بهم، ويعرِّض بهم، ويتَّهمهم في رجولتهم، ويشكُّ في حقيقة جنسهم، حين يلحظ فيهم الغيرة المفرطة على المرأة، وعلى حقوقها أكثر من غيرة الإسلام عليها. في هذه السخرية يلجأ إلى التصوير البلاغي المبنيِّ على التشبيه فيقول: "ومن الغريب أنَّ أوَّل من يلج منكم هذا الميدان الواسع الفجاج -ميدان التجديد المعكوس- يرفع عقيرته بالمطالبة، فكأنَّه فرد من أفراد تلك العائلة اللطيفة الرقيقة المزاج، وكأنَّه موكل من طرفهنَّ لإبلاغ الرجال الحقيقييِّن أنَّ في جانبهنَّ رجالاً يتمنَّون أن يكونوا مثلهنَّ في جميع الصفات والحالات … ومن يدري - والدهر أبو العجائب - أن لو عرضناكم على المشرِّحين لتغيَّر رأينا، وانقلبت القضية، وكان شأننا معكم غير هذا الشأن، ومن يدري، والشكُّ في كلِّ شيء مذهبكم"(2).
التصوير الساخر يتجلَّى في التعريض بسلوك هؤلاء المجدِّدين، ويبرز في الشكِّ في جنس أولئك الناس ورجولتهم؛ تبعًا لغيرتهم الشديدة على العائلة اللطيفة الرقيقة المزاج. ويلوح التهكم في تلك الظلال والامتدادات الشعورية التي تحاول أن تنقلنا إلى داخل نفس الكاتب؛ لنكتشف الحسرة التي تملأ قلبه، ودرجة المقت والاحتقار اللذين يكنِّهما لهؤلاء المجدِّدين على غير قاعدة أصيلة.
ما أفاد هذا التصوير الساخر هو الوسيلة البلاغية: التشبيه: (فكأنَّه فرد من أفراد تلك العائلة اللطيفة الرقيقة المزاج، وكأنَّه موكل من طرفهنَّ لإبلاغ الرجال الحقيقييِّن أنَّ في جانبهن رجالاً يتمنَّون أن يكونوا مثلهنَّ في جميع الصفات والحالات). فالتشبيه بلفظتي (كأنَّه، ومثل) قدَّم - مع بقية الألفاظ- صورة أدبية،
(1) ينظر محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث … ، ص: 426 وما بعدها.
(2) رمضان حمُّود حياته وآثاره، ص: 147.